السيد كمال الحيدري
299
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
يخلو فيه حتّى من هذه الشرور النسبية والقياسيّة لتأخذ الخيرات مكانها بدلًا من هذه الشرور خاصّة وأنّه القادر والحكيم والعليم ؟ قدّم الفكر الإيمانى بتكييفاته الفلسفية والكلامية عدداً من الأطروحات في معالجة الإشكالية ، أهمّها ثلاث ، هي : 1 عدم إمكان التفكيك بين عالم المادّة وبين وجود النواقص والشرور النسبية والقياسيّة ، وعليه فلا معنى لوجود هذا العالم مع عدم وجود النواقص والشرور النسبية . 2 إنّ ما موجود في العالم هو خير كثير وافر وشرّ قليل بالعرض لايُعبأ به ، وأنّه ليس من الحكمة في شئ أن يترك الخالق ( جلّ وعلا ) إيجاد الخير الكثير لئلّا يحصل شرّ قليل وبالعرض . هذه الأطروحة تنسب إلى أرسطو . 3 ما يبدو للإنسان شرّاً وهو قليل وبالعرض تتداخله جهات خير كثيرة . فلو تحرّر الإنسان من النظرة الأحادية القصيرة ومدّ بطرفه إلى الوجود برمّته لرأى أنّ هذه التي يطلق عليها شروراً تنطوى على خيرات كثيرة وفوائد جمّة له . يخلص الفكر الإيمانى من مجموع هذه التكييفات النظرية إلى سلامة النظام الكوني والهندسة الوجودية لعالم الخليقة والتكوين : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ « 1 » . 7 لم يُعد لإشكالية الشرور في اتجاهات الفكر السائدة في العالم الإسلامي وفى المشرق عامّة شأن يُذكر على الصعيد الفلسفي والفكري بإزاء الاتّساع الخطير في رقعة الشرّ الاجتماعي الناشئ عن الفعل الإنسانى ذاته وتفاقم آثاره بما يهدّد وجود الإنسان . أمّا في الغرب فلا تزال الإشكالية ناشطة على مستوى الفكر الفلسفي والديني ، مضافاً إلى البُعد الاجتماعي ، الأمر الذي ربّما
--> ( 1 ) الأحقاف : 3 .