السيد كمال الحيدري
281
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
المقدّمة الثانية : وتتمحور حول سؤال يكتسب الصيغ التالية : أتعدّ الظواهر التي اعتدنا التعبير عنها بأنّها شرور ومصائب أموراً وجودية أم هي أمور عدمية ؟ فهل هي من قبيل البصر الذي هو أمر وجودىّ ، أم هي من قبيل العمى الذي هو عدم البصر ، ومن ثمّ فهو أمر عدمي ؟ عندما نتحدّث عن الفقر والألم والأمراض والمصائب وضروب الكوارث والفواجع التي تلمّ بالإنسان في حياته ، وكذلك عن وجود الشيطان والنفس الأمّارة والوسواس الخنّاس ، أفترانا نتحدّث عن أمور وجوديّة أم عدميّة ؟ تكمن فلسفة هذه المقدّمة والأسئلة التي تحفّ بها بنقطة أساسية لها دورها الكبير في معالجة إشكالية الشرور . فلو كانت الشرور أموراً وجوديّة ، فلا ريب أنّها تحتاج إلى مبدأ فاعلىّ ، وإلى خالق وإلى موجِد ؛ انسجاماً مع قاعدة « أنّ كلّ حادث يحتاج إلى مُحدِث » و « أنّ كلّ ممكن يحتاج إلى واجب وغنىّ يوجِد ذلك الممكن » . أمّا لو كان ما يستحقّ وصف الشرّ والمصيبة أمراً عدميّاً ، فمن الواضح أنّه لا يحتاج إلى مبدأ فاعلىّ يوجده ، لأنّ العدم ليس بشئ فيحتاجَ إلى فاعل وإلى مبدأ . على هذا الأساس ، إذا ما آمنّا أنّ الشرور أمور وجودية فتحتاج عندئذ إلى مبدأ يسانخها ، أمّا إذا قلنا بأنّها أمور عدمية فمن الجلىّ أنّها لا تحتاج إلى مبدأ . على ذلك ليس من الصعب أن ندرك بأنّه إذا ثبت أنّ الشرور والمصائب أمور وجودية ، فسيفضى ذلك إلى تقوية نظرية الثنوية باتجاهاتها المتنوّعة ، التي ترتدّ إجمالًا إلى وجود خالقين أحدهما للخيرات والآخر للشرور ، خاصّة وأنّ القرآن الكريم نفسه يصحّح الأساس المنطقي لقاعدة المسانخة أو المشاكلة ، كما في قوله سبحانه : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ « 1 » ، هذه القاعدة التي تفيد أنّه إذا كان الأمر خيراً فيحتاج إلى مبدأ فاعلىّ يشاكل الخير ، وإذا كان شرّاً والمفروض أنّه أمر وجودىّ فيحتاج إلى مبدأ فاعلىّ يسانخ الشرور .
--> ( 1 ) الإسراء : 84 .