السيد كمال الحيدري

273

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

المؤمن بقدرة السيِّد المسيح المستقيم على نهجه يستطيع مواجهة إغواء هذه الشياطين ويملك السلطان النافذ عليها . مع ذلك كلّه ميّز أوريجين بين دواعي الشرّ التي يوحى بها الشيطان وجنوده ، ودواعي الشرّ التي ركبت في طبيعة الإنسان ، وهى شهوات الطعام ولذّات الجسد وفى مقدّمتها اللذّة الجنسية . وجسر الالتقاء بين هذين الضربين من دواعي الشرّ أنّ الشيطان يسخّر هذه الشهوات في الإنسان ليدفعه إلى المزيد منه ، بحيث لم يثبت الشيطان قدرته على الغواية والشرّ كما أثبتها على هذا النحو . كما أسند أورجين الشرّ والخطيئة إلى سيادة هذا العالم المعيش وطغيانه ، وأنّ هذا الطغيان وطلب السيادة هما اللذان أسقطا إبليس ، ومن ثمّ فالتواضع والزهد بهذا العالم هما مفتاح الخلاص من الشرّ . بُعد آخر يثيره هذا الفقيه المسيحي في شيوع الشرّ في الوجود الإنسانى يتمثّل بما يسلكه الشيطان من سُبل في غواية الإنسان . فللشيطان سبيلان إلى ذلك أحدهما أن يوسوس للإنسان من حيث لا يراه ، والآخر أن يستولى عليه ويبتليه بالأمراض والعاهات ، وقد يسلّط الأوبئة والطواعين على المدن والأقطار الواسعة ليذودها عن رحمة الله ، من خلال جنود له في كلّ مدينة وكلّ قطر وبين كلّ معشر يعبدون الأوثان أو يعبدون ربّاً من الأرباب غير الإله الواحد . هذا البُعد يردّ الأوبئة وربّما شئ من الشرور الطبيعيّة والاجتماعية إلى تأثيرات الشيطان على الإنسان . لكن ذلك لا يعنى قدرية الشرّ وأنّ الإنسان مجبر عليه لا استثناء في ذلك حتّى للشياطين عامّة ولا لرئيسهم الأكبر إبليس . فمن عقائد أوريجين أنّ التمييز بين الخير والشرّ فطرة في كلّ موجود عاقل يدرك ويختار ، يصحّ ذلك على الشياطين ورئيسهم إبليس ، فهم لم يخلقوا منحرفين مضلّلين ، لكنّهم انحرفوا بملء إرادتهم وبما داخلهم من الكبرياء والتمرّد والحسد ، فغلبتهم الشقوة ، فأقبلوا على الشرّ وأمامهم سبيل الصلاح لو أرادوا ، ولابدّ لهذا الضلال