السيد كمال الحيدري
267
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
الأديان الإلهية وأخرى تلتها ، لأنّه لا وجود لمرحلة كانت فيها الإنسانية ولم يكن هناك دين . أجل ، يمكن للإنسانية أن تبتعد عن التفسير الديني للظاهرة بهذا القدر أو ذاك ، كما يمكن لها أن تنفصل عن هذا التفسير تماماً وتتكئ إلى عقلها وإفرازات فكرها ، بيدَ أنّ ذلك كلّه لا يسوّغ الحديث عن مرحلة ما قبل الدين في حياة الإنسان ، لأنّ الإنسان الأوّل كان نبيّاً ، ومن ثمّ لم تعرف الإنسانية لحظة عاشتها بلا وجود دين ، حتّى وهى تنفصل عنه وتفكّ ارتباطها بعُراه « 1 » . لقد تلابست فكرة الشرّ مع فكرة الشيطان منذ القدم ، من دون أن يعنى أنّ الشرّ ينحصر بالشيطان وحده . ومنذ البدء انطلق الذهن الإنسانى في إثارة أسئلة محوريّة عن الشرّ : هل الشرّ قوّة أصيلة ؟ هل هو قوّة إيجابية فاعلة ؟ هل هو قوّة سلبية ؟ هل هو عدم الخير ؟ هل هو نقص الخير ؟ هل هو عقبة في طريق الخير ؟ هل هو عقبة تريد وتعمل ما تريد ؟ هل هو عقبة لا إرادة لها ولكنّها تُضاعِف جهود الخير وتستدعيه إلى مزيد من الحركة والثبات « 2 » ؟ كانت الخميرة التي واجه بها الذهن الإنسانى هذه الأسئلة أنّ أىّ فكرة عن الشرّ قد تمثّلت في حقيقتها في صورة من صور الشيطان ، فالشيطان هو الشرّ والشرّ هو الشيطان . ثمّ اتّسعت الرؤية ليكون الشرّ أرواحاً ضارّة متفرّقة ، ثمّ صار قوّة فعّالة معادلة لقوّة الخير عند الثنويين ، ففي الوجود خير وشرّ كما فيه نهار وليل ، ومن ثمّ ليس الشرّ هو مجرّد عدم الخير . وعلى خطٍّ مواز لهذه التصوّرات برز التصوّر التوحيدي الذي آمن بأنّ الله هو الخالق المبدع القائم بذاته ،
--> ( 1 ) ما دعانا إلى هذه الملاحظة هو الالتباس الذي قد ينشأ في الأذهان من طبيعة السياق الذي اعتمده العقّاد في متابعة تطوّر فكرة الشرّ والشيطان في كتابه « إبليس » ، وهو يوزّع تطوّر الفكرة بين أطوار ثلاثة هي الحضارات القديمة ، والأديان الكتابية والأزمنة المعاصرة ، مع أنّه لا يقصد أكيداً إيقاع القارئ بمثل هذا الالتباس وإنّما اعتمد هذا التصنيف لبواعث منهجية في دراسة فكرة الشرّ والشيطان وعرضها . ( 2 ) إبليس ، عبّاس محمود العقّاد ، ص 232 .