السيد كمال الحيدري
265
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
أنزلت به وما تزال أفجع المصائب وأكثرها هولًا ، فضلًا عمّا تمتلئ به الحياة الإنسانية ذاتها من مصائب ومعاصٍ وسيّئات ، راحت بأجمعها تثير في ذهنه استفهامات حائرة بلغ من عنفها لدى بعض أنّها أخرجتهم من دائرة الإيمان إلى الكفر بالخالق العظيم ، ومنطق هؤلاء : أيجوز لمن فِعْلُه عين الحكمة خَلْقُ هذه الشرور والمصائب ؟ كان هذا السؤال إيذاناً بانبثاق ما أطلقنا عليه في هذا البحث ( إشكالية الشرور ) التي سايرت الإنسانية منذ بواكير وعيها . 2 مسألة الشرور وتكييفات الحلّ النظري ثَمّ من يقفز على المشكلة بإلغاء وجودها ، برغم أنّها ترتكز إلى وجدان الإنسان وإحساسه اليومى الذي يعايش المشكلات ويلامس الصعوبات الناشئ بعضها عن الشرّ والمصائب ممّا لا يد للإنسان فيه ، كوجود الشيطان والوسواس الخنّاس والنوازل السماويّة والكوارث الطبيعيّة وصولًا إلى بعض الأوبئة والأمراض الغامضة . على أنّه يكفى لمواجهة منطق الإلغاء ما يتحدّث به القرآن نفسه عن الشرور والمصائب وعن الخطايا والسيّئات ، في آيات كثيرة تشير إلى وجود هذه الأمور في نطاق الخلق ، منها قوله سبحانه : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِى الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ « 1 » كذلك قوله : مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ « 2 » ، وقوله : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ « 3 » ، وقوله : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا
--> ( 1 ) الفلق : 5 1 . ( 2 ) الناس : 6 4 . ( 3 ) يونس : 11 .