السيد كمال الحيدري
257
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
يعنى ذلك تقييداً للقدرة الإلهية المطلقة أو استثناءً فيها « 1 » . المقدّمة الثالثة : إذا كان العلم بشئ وتعلّقت به القدرة ، فلا يوجد ما يمنع الله سبحانه من إيجاد ما يريده في الخارج : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 2 » . فحيث لا يوجد مانع داخلىّ أو خارجىّ ، فإنّ قدرته سبحانه ماضية في إيجاد ما تقتضيه مشيئته وإرادته . وما دام الكلام يدور فعلًا عن عالم الإمكان ، فلا مجال لتصوّر مانع خارجىّ يمنع الحقّ سبحانه عن إيجاد ما يريده ويختاره ، لأنّ المفروض في هذا الحديث أنّه يسبق وجود هذا العالم . كما لا وجود للمانع الداخلي من بخل أو ما شابه ، لأنّ الله غنىّ عن العالمين ، وهو محض الكرم والعطاء والجود . مع تمام هذه المقدّمات التي تفيد أنّ الله عالم وقادر ، وأنّه لا وجود لمانع يمنعه من إيجاد ما تقتضيه مشيئته وإرادته ، سيكون من الطبيعي إذا ما دار الأمر بين إيجاد الممكن الأكمل وبين إيجاد الكامل أو الناقص ، أن يختار الله سبحانه إيجاد الأكمل على إيجاد الكامل فضلًا عن الناقص ، لأنّ العلم موجود والقدرة متحقّقة والمانع مرفوع ، حيث لا وجود لمانع داخلىّ أو خارجىّ يحول دون ما تعلّق به العلم والقدرة . ولو لم يفعل للزم ترجيح المرجوح على الراجح ، وهو ممتنع عقلًا . فلو فرضنا أنّ أحد الطرفين كان أكمل والآخر كان كاملًا أو ناقصاً ، ثمّ إنّ الله سبحانه رجّح إيجاد الكامل أو الناقص على الأكمل ، للزم من ذلك ترجيح المرجوح على الراجح ، وهو ممتنع عقلًا . هكذا يثبت المطلوب ، وأنّ الله تعالى قد خلق العالم على أكمل وجه وأتقنه ، وأنّ الموجود هو أحكم ما يمكن « 3 » .
--> ( 1 ) التوحيد ، بحوث في مراتبه ومعطياته ، ج 1 ، ص 391 388 . ( 2 ) يس : 82 . ( 3 ) صراط الحقّ في المعارف الإسلامية ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 280 .