السيد كمال الحيدري
244
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
الحكم إلى الله في الآخرة ليكون السلاطين والطغاة في هذه الدُّنيا مطلقى اليد لهم أن يفعلوا ما يشاؤوا ! يقول أحد الدارسين منبّهاً إلى الدور التأسيسى الذي اضطلعت بهالأسرة الأموية في إنشاء الإرجاء : « هكذا عرف المجتمع الإسلامي أوّل ما عرف تيّار الإرجاء . بدأ ببنى أميّة وأركان دولتهم وأنصارها ، واستهدف إبعاد شبح « التكفير » والإدانة الدينية عن أولئك الذين قلبوا نظام الحكم في المجتمع الإسلامي وبدّلوا فلسفته من شورى واختيار إلى وراثة في ملك عضوض ! » « 1 » . لقد تعانق مع فكر الإرجاء الذي يسوّغ للحكّام والسلاطين أن يفعلوا ما يشاءون دون حساب ما داموا قد أعلنوا الايمان بألسنتهم ، ويسبغ « الشرعية » على جميع مظالمهم ، فكرٌ تبريرىّ آخر هو الفكر الجبري حيث يظهر العامل السياسي واضحاً في صوغ فكر الجماعة وتأطيره بما ينفع السلطة : « من أبرز التحوّلات الفكرية ذات الصلة الوثيقة بالتحوّلات السياسية التي صاحبت الحكم الأموي ، ظهور الفكر الجبري الذي يرى الإنسان لا حول له ولا طول فيما يصدر عنه من أفعال ، وأنّ أفعاله هذه مخلوقة لله ومقدّرة من الله للإنسان ومحكوم بها عليه سلفاً ، ومن ثمّ استُخدمت هذه العقيدة في تبرير التحوّلات السياسية التي بدت غريبة عن نهج المسلمين الأوائل ، والتخفيف من وقع المظالم وبشاعة التطوّرات الظالمة التي زخر بها المجتمع في ذلك الحين » « 2 » . ليست عقيدة القضاء والقدر هي المسؤولة عن التخريب الذي لحق المجتمع الإسلامي مبكِّراً ، بل هو الاستغلال السياسي للدولة الأموية وتوظيفها المكثّف لهذا المعتقد وغيره لما يخدم الموقع السياسي لأسرة بنى أميّة
--> ( 1 ) تيّارات الفكر الإسلامي ، محمد عمارة ، ص 35 . ( 2 ) مسلمون ثوّار ، محمّد عمارة ، مصدر سابق ، ص 59 .