السيد كمال الحيدري

242

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

معتقد أيضاً بالحكمة والرحمة والعدالة الإلهية . . ومثل هذا الاعتقاد بالتقدير والتدبير الإلهى ينتج التوكّل والاعتماد على الله وينفى الخوف من الموت والفقر والعوز ويسدّ أكبر نقطة ضعف في الإنسان . . إنّ العقيدة بوجود مثل هذه الحسابات في العالم هي التي ربّت المسلمين في صدر الإسلام على الفعّالية والنشاط ودفعتهم للشجاعة والتضحية التي لا نظير لها في العالم » « 1 » . إذا كانت عقيدة القضاء والقدر بهذه المثابة ، وأنّها قوّة دافعة للمجتمع الإسلامي إلى الحركة والتجديد ، وإلى الفحص والتنقيب لاكتشاف السنن الحاكمة في الحياة ومعرفة قوانين الوجود ، فما الذي أدّى إلى انقلابها بالكامل بحيث تحوّلت إلى دالّة على فشل الإنسان وعجزه واستسلامه وأنّه مجبور في كلّ شئ ؟ هذه المفارقة الضخمة لا يمكن تفسيرها بالفكر وحده تماماً كما لا يمكن علاج الواقع السلبي القائم بالنظريات وحسب ، حتّى لو كان الفكر صائباً والنظريات صحيحة . توضيح ذلك أنّه لا يمكن عزل الفكر عن البنى الحياتية الأخرى خاصّة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، من دون أن يلزم من ذلك الالتزام بالمادّية الفجّة التي تفسّر النشاط الفكري على أساس أنّه نتاج مادّى وحسب . إذا كان المغزى العميق لهذه الملاحظة ينصبّ على ضرورة رؤية مشهد الواقع الحياتى للأمّة وللجماعة بجميع مكوّناته ووعى العلاقة السلبية أو الإيجابية التي تقوم بين الفكر وهذه المكوّنات ، فهناك نقطة أخرى لا تقلّ عن هذه أهمّية ، تتمثّل بضرورة التعاطي مع ثقافة الأمّة وعقيدتها ككلّ ، وعدم تفكيكها إلى عناصر منفصلة وجزر متباعدة ، إلّا إذا كان هذا التفكيك أو الفصل يجئ لأغراض الدراسة والبحث .

--> ( 1 ) الإنسان والقضاء والقدر ، مصدر سابق ، ص 112 .