السيد كمال الحيدري

240

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

سَعَى « 1 » . بيدَ أنّهما لا يقفان به عند هذه التخوم بل يدفعانه إلى المزيد ، عبر اكتشاف القوانين التي ترتبط بالنشأة الأخروية أيضاً ، فيستفيد من هذه النشأة لتلك النشأة بقدر معرفته لقوانينها ويكون له نصيب منها يتناسب مع سعيه وعمله . هكذا يفتح هذا الفهم عين الإنسان ويديه على الطبيعة والحياة والنشأة الآخرة ، فيكون له نصيب منها جميعاً على قدر معرفته وعمله وسعيه ، ويكون هو الذي صنع مصيره بيده ، من دون أن يسلبه القضاء والقدر الحرية والاختيار ، أو يدعه إلى الوهن والتكاسل والعجز . في هذا الضوء : « يكون الإيمان بالقضاء والقدر هو عين الإيمان بالعلم والعمل ، والجدّ والاجتهاد من أجل الحياة ، بل هو عين الإيمان بأنّ الله مع العاملين والمجاهدين وأنّه سبحانه ضدّ الكسالى والمخنثين . . أمّا الرضا بالقضاء والقدر فهو الرضا بكدّ اليمين وعرق الجبين والثقة بالله وبالنفس ، هو النهوض بالعبْء عن طيب خاطر وتحمّل المسؤولية من غير تأفّف وتبرّم ، ونفض اليدين من الغرور مع النجاح » كما كتب أحد رادة الفكر الإسلامي المعاصر « 2 » . ما أروع هذا الفهم يعبّر عنه الإمام علي بن الحسين السجّاد في مثال دالّ ومعبّر . فعندما سأله رجل : « جعلني الله فداك ، أبقدر يصيب الناس ما أصابهم أم بعمل ؟ أجابه عليه السلام بقوله : « إنّ القدر والعمل بمنزلة الروح والجسد ، فالروح بغير جسد لا تحسّ والجسد بغير روح صورة لا حراك بها ، فإذا اجتمعا قويا وصلحا . كذلك العمل والقدر ، فلو لم يكن القدر واقعاً على العمل لم يعرف الخالق من المخلوق وكان القدر شيئاً لا يحسّ ، ولو لم يكن العمل بموافقة من القدر لم يمض ولم يتمّ ، ولكنّهما باجتماعهما قويّاه ولله فيه العون لعباده الصالحين » « 3 » .

--> ( 1 ) النجم : 39 . ( 2 ) فلسفات إسلامية ، محمّد جواد مغنية ، ص 62 . ( 3 ) التوحيد ، كتاب التوحيد ، باب القضاء والقدر ، ح 4 ، ص 367 366 .