السيد كمال الحيدري

23

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

إثبات الصانع ولا تصل النوبة مع ذلك إلى كتاب إلهي يُحتَجّ به على بطلان رابطة العلّية والمعلوليّة بين الأشياء » « 1 » . 2 يسقط هذا التفكير بانتقائية غير مبرّرة في التعاطي مع الظواهر القرآنية . لقد مرَّ فيما سبق أنّ الآيات التي تتحدّث عن صفة الخلق تنقسم إلى طائفتين : الأولى تحصر التأثير بالله مطلقاً ، والثانية تنسب أنحاء من التأثير إلى سواه . والتفكير الأشعري تعامل مع الطائفة الأولى فقط التي تدور حول محور اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْء « 2 » غاضّاً النظر عن مدلول الطائفة الثانية ، مع أنّ ظواهر الآيات بين الطائفتين تستوى في قيمتها الإثباتية ، ومن ثمَّ لا معنى لوضع اليد على ظواهر الطائفة الأولى وإهمال ظواهر الطائفة الثانية . من الوجهة المنهجية لا يسوغ رفع اليد عن ظاهر إحدى الطائفتين لصالح الأخرى إذا كان هناك سبيل للجمع بين الظاهرين . فإذا كان بالمقدور تقديم تصوّر نظري لتوحيد الخالقية على النحو الذي لا يتنافى مع إثبات نحو من التأثير لغير الله سبحانه ، فينبغي العمل عندئذ بكلتا الطائفتين من الآيات المباركة . أجل ، إذا تعذّر ذلك ودار الأمر عقلياً بين أن نعمل بظهور الطائفة الأولى أو بظهور الطائفة الثانية ، فعندئذ نلجأ إلى تقديم أحد الظهورين على الآخر . أمّا مع

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 7 ص 298 . ربما يلجأ بعض للإحالة إلى / / برهان الصديقين مثلًا وأنّه لا يتأثّر بمنطق الأشاعرة هذا . بيدَ أنّ هذا التوجيه لا ينقذ الموقف أيضاً لأنّ هذا البرهان ينتمى إلى دائرة البحث الفلسفي والعرفاني ولا علاقة له بالمتكلِّمين . إنّما يدور البحث الكلامي برمّته ويستوى على سوقه ، من خلال العمل بقانون العلّية العام وإثبات العلّة من خلال الأثر والمعلول ، وبنفى العلاقة بين الاثنين يتقوّض سلاح المتكلِّمين وتتعطّل المعرفة الكلامية على صعيد إثبات الصانع والنبوّة والكتاب ، وما يترتّب عليها من تفاصيل . ( 2 ) الرعد : 16 ؛ الزمر : 62 .