السيد كمال الحيدري

222

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

للطبيعة والتأريخ والمجتمع « 1 » ، سواء في بيئة المسلمين وما نبت بها من تيّارات فكرية أو على صعيد الفكر الأوربى الذي شهد في برهة معيّنة ازدهار النظريات اللاهوتية . من التاريخ والمجتمع إلى موضوع التنمية والعمران والمعركة ضدّ التخلّف ، يواصل الصدر التحرّك على المسار ذاته . ففي دراسته للمرجعيات الفكرية التي أطّرت تجارب التنمية في العالم الإسلامي وانتهت بأجمعها إلى الفشل ، نبّه الصدر المعنيّين إلى خطر الوقوع ضحية التحليل الغربى الذي يلقى بتبعات الفشل على أخلاقية إنسان العالم الإسلامي وإيمانه بالغيب وبالقدر . فقد كتب في سياق ردّه على أحد ممثّلى هذه النزعة ( جاك أوستروى ) في كتابه « التنمية الاقتصادية » ، ما نصّه : « إنّ اتجاه إنسان العالم الإسلامي إلى السماء لا يعنى بمدلوله الأصيل استسلام الإنسان للقدر واتّكاله على الظروف والفرص ، وشعوره بالعجز الكامل عن الخلق والإبداع كما حاول ذلك جاك أوستروى » « 2 » . وإنّما يعكس ارتباط الإنسان المسلم بالسماء وإيمانه بالغيب مبدأ الخلافة الربّانية لهذا الإنسان في الأرض ، وشتّان بين مفهوم الخلافة الربّانية وما يستلزمه من إرادة ومسؤولية وما يستبطنه من طاقات وثراء عريض وبين القضاء والقدر بمدلولهما السلبي ، وبحسب الصدر نفسه : « لا أعرف مفهوماً أغنى من مفهوم الخلافة لله في التأكيد على قدرة الإنسان وطاقاته التي تجعل منه خليفة السيِّد المطلق في الكون ، كما لا أعرف مفهوماً أبعد من مفهوم الخلافة لله عن الاستسلام للقدر والظروف ، لأنّ الخلافة تستبطن معنى المسؤولية تجاه ما يستخلف عليه ، ولا مسؤولية بدون حرّية وشعور بالاختيار والتمكّن من التحكّم في الظروف ، وإلّا فأىّ استخلاف هذا إذا كان الإنسان مقيّداً أو

--> ( 1 ) المدرسة القرآنية ، ص 80 ومواضع أخرى . ( 2 ) اقتصادنا ، السيّد محمّد باقر الصدر ، ص 24 23 .