السيد كمال الحيدري

219

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

الذي يجمّد الفعل الإنسانى ويسوّغ الاستسلام . ومع أنّ الخطّ العام للنبوّات وهدى السماء أكّد هذا المعنى ، إلّا أنّ القرآن ركّز عليه على نحو مكثّف واستثنائىّ : « في حدود ما نعلم ، القرآن أوّل كتاب عرفه الإنسان أكّد على هذا المفهوم وكشف عنه وأصرّ عليه وقاوم بكلّ ما لديه من وسائل الإقناع والتفهيم ؛ قاوم النظرة العفوية أو النظرة الغيبية الاستسلامية بتفسير الأحداث . الإنسان الاعتيادى كان يفسّر أحداث التاريخ ( كمثال حيث كان يتحدّث الصدر عن هذا الموضوع ) بوصفها كومة متراكمة من الأحداث ، يفسّرها على أساس الصدفة تارةً ، وعلى أساس القضاء والقدر والاستسلام لأمر الله سبحانه وتعالى ، القرآن الكريم قاوم هذه النظرة العفوية وقاوم هذه النظرة الاستسلامية ونبّه العقل البشرى إلى أنّ هذه الساحة لها سنن ولها قوانين » « 1 » . بعد أن قدّم الصدر للقضاء والقدر منظوراً تفسيريّاً يقوم على أساس سببىّ سننىّ يضرب في تكوين الظواهر والأشياء ، سعى إلى المواجهة والتصحيح معاً ، عبر بناء منظورات جديدة لفهم التأريخ والمجتمع ( حيث كان حديثه يدور حولهما وإلّا فهما لا يعدوان كونهما مثالًا وحسب ) في ضوء الأساس الجديد ، ومواجهة التفسيرات والتصوّرات الخاطئة بنقد مكثّف . فحتّى يكون الإنسان فاعلًا وهذه هي النتيجة المنطقية لنظرية الأمر بين الأمرين على مستوى الفعل الإنسانى ولنظرية التفسير السببى والسننى على مستوى القضاء والقدر لابدّ أن يقتحم مضمار الطبيعة والحياة في حركة اكتشاف وتوظيف دائبين لقوانينها وسننها : « لكي تستطيع أن تكون إنساناً فاعلًا مؤثِّراً لابدّ لك أن تكتشف هذه السنن ، لابدّ لك أن تتعرّف على هذه القوانين لكي تستطيع أن تتحكّم

--> ( 1 ) المدرسة القرآنية ، مصدر سابق ، ص 72 71 . إذا لاحظ القارئ أحياناً ضعفاً في العبارات ، فذلك يعود إلى الطابع الشفهى لها ، حيث كان الصدر يلقى هذه الأفكار على شكل محاضرات .