السيد كمال الحيدري

216

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

يفعل غير ما صدر منه لم يكن له ذلك ولا كان قادراً عليه ، بل بمعنى أنّ وجوبها يكون باختيارنا وإرادتنا ولو أردنا خلافها كان لنا ذلك » « 1 » . فما قدّر لنا يأتينا عبر العمل والسعي وفق النواميس الإلهية في الكون والحياة ، ونظام الأسباب مقدّر لنا أيضاً لكن بعملنا وجهدنا ، بل لنقل إنّ قدر الإنسان هو جهده وما يفعله ، ذلك أنّ الله قد جعل « في محكم قضائه وسابق علمه أن يكون الجدّ والسعي والحركة والعزيمة مهيّئة لمطالبنا ، موصلة إلى مقاصدنا ، مخرجة من القوّة إلى الفعل كامن كمالاتنا ، كما جعلها الله أسباباً مقترناً بها ما يصل إلينا من أرزاقنا وما قدّر لنا من معايشنا أو لما يصرفه الله عنّا من المكاره ويدفعه عنّا من المضارّ ، وكلّ هذه الغايات لا تحصل لنا إلّا باجتماع كلّ هاتيك المبادئ والوسائط نظراً إلى نواميس الكون الأوّلية . . إذ من الجلىّ أنّه لا يحدث ممكن في الكون إلّا بأسبابه وسلسلة علله ، ثمّ إنّ تلك الأسباب والوسائط من السعي والجدّ والنشاط وأضدادها أيضاً واجبة لنا مقدّرة علينا ، ولكن سنخ وجوبها كما عرفت ليس تقدير إجبار وحتم بل على أنّها تقع باختيارنا ، وتنشأ من ضعف أو قوّة عزايمنا التي يكون ضعفها وقوّتها في إمكاننا واقتدارنا » « 2 » . هذه الجولة في البُعدين العلمي والاجتماعي للقضاء والقدر تقود الشيخ كاشف الغطاء إلى إطلاق دعوتين : الأولى : ينبغي للشعوب والأمم أن تعلم « أنّ الدين منزّه عن تلك الخزعبلات والمخرفات التي تصادم ضرورة العقل » « 3 » التي يتعلّل بها الإنسان ، لأنّ الله سبحانه : « ما جعل القضاء والقدر لتتخذه ستاراً لسيّئاتك وتمشيةً

--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 191 . ( 2 ) الدين والإسلام ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 191 190 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 185 .