السيد كمال الحيدري
19
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
ويقول : بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ « 1 » ، ويقول أيضاً : فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً « 2 » . كما يقول عن الشيطان : وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ « 3 » ، وفى آية أخرى : وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ « 4 » . تعمّق هذه النصوص الإشكالية المثارة ، ومن ثمّ فهي تملى الحاجة إلى حلّ يوفّق بين مدلول الطائفة الأولى الذي يحصر الخلق والتأثير بالله مطلقاً ، ومدلول الطائفة الثانية الذي ينسب نحواً من أنحاء التأثير إلى عدد كبير من الفواعل الطبيعية والاختيارية . 4 الاتجاهات الفكرية على مستوى الفواعل الطبيعية بلور فكر المسلمين اتجاهين رئيسيين لحلّ الإشكالية على مستوى الفواعل الطبيعية ونظام الوجود المادّى ، وثلاثة اتجاهات كبرى وأساسية على مستوى الفواعل الاختيارية بالأخصّ ما يتعلّق بالفعل الإنسانى . هذه الفقرة تتكفّل متابعة الاتجاهين الرئيسيّين وما تمخّض عنهما من تحليلات ونظريات بشأن الفواعل الطبيعية ، من خلال ما يلي : أوّلًا : الاتجاه الأشعري لقد انطلق هذا الاتجاه من تحكيم قوله سبحانه : اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ « 5 » وما يقع على شاكلته في صوغ رؤيته التي تحوّلت إلى فهم خاصّ لتوحيد الخالقية ينفى وجود أىّ مؤثّر آخر في هذا العالم . ممّا ترتّب على هذه النظرية إنكار نظام السببيّة في الوجود الإمكانى . ففي ظواهر مثل النار والإحراق ، والأكل وحصول
--> ( 1 ) الزخرف : 80 . ( 2 ) النازعات : 5 . ( 3 ) الأنفال : 48 . ( 4 ) فصّلت : 25 . ( 5 ) الرعد : 16 .