السيد كمال الحيدري

184

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

تبقى إشارة لابدّ منها تتمثّل في أنّ الحديث هنا عن تأثير الفعل الإنسانى من خلال ما يملكه الإنسان من حرية الإرادة والاختيار ، إنّما يقع في نطاق نظرية الأمر بين الأمرين ، وليس في نطاق التفويض الاعتزالى ، وذلك على التفصيل الذي مرَّ في المبحث السابق . إشكالية فرعية القول إنّ نظام الخليقة والوجود محكوم بسنن وقوانين ضروريّة ، هل يعنى التفويض وأنّ الخالق جلّ وعلا كفّ يده عن الوجود ؟ هذه إشكالية فرعية قد تنتج عن الفهم السابق تؤدّى إلى تصنيم نظام السببيّة وتأليه السنن ونصبهما آلهة تُعبد من دون الله سبحانه ، كما تورّطت بذلك بعض تيّارات العقلانية الأوربية بعد عصر النهضة ومن تأثّر بها في بلاد المسلمين . إنّنا نؤمن بسريان مبدأ السببيّة في الوجود وجريان السنن والنواميس في عالم الخليقة وسوح الحياة ، بخاصّة الساحتين التأريخية والاجتماعية ، بيدَ أنّ ذلك لا يعنى أنّ هذه القوانين والسنن ضرورية في نفسها مستغنية عن الله تعالى ، ومن ثمّ لا تعنى قطع علاقة الكون والوجود والحياة بالله بعد أن استغنت عنه بهذه القوانين والسنن ، كما أنّها لا تعنى أنّ لها من الحاكمية ما تفرض به إرادتها على خالقها سبحانه . لنتمعّن مدلولات هذا النصّ جيّداً : « قد بيّن القرآن الشريف على ما يُفهم من ظواهره قوانين عامّة كثيرة في المبدأ والمعاد وما رتّبه الله تعالى من أمر السعادة والشقاوة ، ثمّ خاطب النبىّ صلّى الله عليه وآله بقوله : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَىْءٍ « 1 » . لكنّها جميعاً قوانين كلّية ضرورية ، إلّا أنّها ضرورية لا في أنفسها وباقتضاء من ذواتها ، بل بما أفاده الله سبحانه عليها من الضرورة واللزوم » « 2 » .

--> ( 1 ) النحل : 89 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 6 ، ص 255 254 .