السيد كمال الحيدري
170
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
مساهمات الفكر الإسلامي أواخر القرن التاسع عشر الميلادي عندما كان الشيخ محمّد عبده ( ت : 1905 م ) يقيم مع شيخه جمال الدين الأفغاني ( ت : 1897 م ) في باريس ، تعرّض وزير خارجية فرنسا آنئذ ( هانوتو ) إلى الإسلام محطّاً من المسلمين وطاعناً في دينهم إيمانه بعقيدة القدر والقضاء ، فما كان من عبده إلّا أن ردّ عليه منبّهاً لعراقة هذه العقيدة في الأديان السماوية جميعاً ، وموضّحاً له أنّ القدر ليس أكثر من « تقرير السنن الإلهية المعروفة بنواميس الكون » « 1 » هكذا بالنصّ . على الغرار ذاته جاءت صياغة المصلح الجزائري الشيخ عبد الحميد بن باديس ( 1359 1308 ه ) الذي أبرز في تفسيره القرآني عناية كبيرة بالجانب السننى ، ثمّ قال عن حقيقة القدر : « قد ربط الله بين الأسباب ومسبّباتها خلقاً وقدراً بمشيئته وحكمته ، لنهتدى بالأسباب إلى مسبّباتها ، ونجتنبها باجتناب أسبابها » « 2 » وذلك حين كان يتحدّث عن الأمم والسنن الضاربة في حركتها . وقبل قرابة المائة سنة من الآن سعد المسلمون في العراق بتلألؤ فكر أصيل مستنير عنى بنهضة الأمّة نحو العمران والحضارة وازدهار الإحياء الديني ، يعود إلى المصلح المعروف الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء ( ت : 1373 ه / 1954 م ) . لقد ركّز كاشف الغطاء « 3 » على قضية الانحطاط والتخلّف التي تضرب بشعابها في أوساط المجتمعات الإسلامية ، وكان لابدّ أن يمرّ على مقولة
--> ( 1 ) الإسلام بين العلم والمدنية ، الشيخ محمّد عبده ، عرض وتحقيق وتعليق طاهر الطناجى ، القاهرة ، كتاب الهلال ، ص 177 ؛ مشكلتا الوجود والمعرفة في الفكر الإسلامي الحديث ، ص 177 . ( 2 ) تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير ، عبد الحميد محمد بن باديس ، جمع وترتيب د . توفيق محمد شاهين ومحمد الصالح رمضان ، طبعة دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1416 ه 1995 م . ( 3 ) في عام 1328 ه انتهى كاشف الغطاء من تأليف الجزئين الأوّل والثاني من كتابه « الدين والإسلام » أو « الدعوة الإسلامية » الذي أراد له أن يمتدّ على حلقات . يكشف هذا الكتاب عن مدى وعى الرجل ونفاذ فكره وواقعية تحليله لأمور المسلمين وهو بعدُ في مطلع القرن الميلادي العشرين قبل أن تتبلور خطوط الوعي الإسلامي المعاصر وقبل أن تنطلق موجات الفكر الإسلامي الحركي والتغييرى . لقد طرح في هذا الكتاب أزمة الواقع الإسلامي من زاويتين ؛ زاوية الضعف الداخلي أو كما يقول نصّاً : « رزيّة الإسلام في أهله ، وبليّته من قومه ، ومصيبته من أبنائه ، المصيبة التي هي أشدّ عليه من وطأة أعدائه وكيد أغياره » ( ص 3 ) . / / ثمّ من زاوية الخطر الخارجي حيث تكالب الغرب لضرب الشرق المسلم منتهزاً لحظة ضعفه ، مسخِّراً جميع الأسباب والعوامل ، فكلّ الذي يلحظ من : « أقلام تجرى ، ودعاة تسرى ، ورسل تبشّر ، وكتب تُكتب ، ورسائل تُنشر ، وأموال تستميل » يعضدها : « إعمال القوى الروحية ، والكتائب الدينية ، والجيوش الملّية ، وتعضدها مدافع في البرّ ، وأساطيل في البحر ، وطيّارات في الجوّ . . . » وما هناك من آلاعيب سياسية إنّما يهدف كما يقول نصّاً إلى : « محق الإسلام وإزهاق هذا الدين ، وامتلاك الشرق واستعباد الشرقيّين » ( ص 3 ) . من نقاط اليقظة والإبداع عند كاشف الغطاء تحذيره المبكِّر من خطر التغريب ؛ قال : « نفذت الروح الغربية في جسد الشرق وجسم العالم الإسلامي ، فانتزعت منه كلّ عاطفة شريفة وإحساس روحىّ وشرف معنوىّ ، ومجد باذخ واستقلال ذاتىّ » ( ص 4 ) . كما يقول في نصّ آخر : « تسمع بالمسلم الشرقي الذي يلهج بالمحاماة والذبّ عن الدين الإسلامي والتناصر له ، فإذا وقع بصرك عليه وجدته غربياً من قرنه إلى قدمه ، غربىّ الأهواء ، غربىّ الأزياء ، غربىّ الأميال ، غربىّ الأشكال ، غربىّ اللباس ، غربىّ الظاهر كلّه ، غربىٌّ في كلّ شئ » ( ص 5 ) . في نصٍّ آخر يربط شيخنا المجدّد بين تبعات التغريب ووهن المسلمين وضعفهم ، فيكتب نصّاً : « فلو سألتني ما السبب الوحيد في ضعف المسلمين ؟ لقلت : الغاية هي ضعف الدين ، ولو سألتني ما سبب ضعف الدين في المسلمين ؟ لقلت : زخارف الدُّنيا ونفوذ الروح الغربية » ( ص 17 16 ) . في مقابل الأوضاع الهزيلة تحدّث كاشف الغطاء عن أربعة أركان للنهضة ، هي العلم والعمل والسيف والقلم ، فهذه « الأركان الأربعة والدعائم الممنعة التي تبنى عليها قبّة كلّ مجد وشرف وكلّ سعادة وسيادة ، وبمقدار قوّتها وارتفاعها ترتفع منازل الأمم » ( ص 8 ) . فالعلم بلا عمل كالأساس ولا بناء ، أمّا العمل بلا علم فهو كالبناء على غير أساس أخلق به وشيكاً أن ينهدم على صاحبه . أمّا السيف والقلم فعليهما يتوقّف نظام المدنية وقوام كلّ هيئة اجتماعية . والشرف كلّ الشرف لا يكمن بالحسب والنسب ولا بالمال والثروة ولا حتى بالعلم ، بل يكمن كما يقول كاشف الغطاء بما يخدم به المرء أُمّته وملّته ، حيث يضيف نصّاً : « الشرف حفظ الاستقلال وتنشيط الأفكار ، الشريف / / من يخدم أُمّته خدمةً تخلد ذكره » ( ص 10 ) . من النقاط المبدعة في فكر كاشف الغطاء الإحيائى انتباهه إلى ضعف المؤسسة الدينية ، فمن أقوى أسباب سريان الداء بين المسلمين « ومروقهم من مشرق هذا الدين إلى منازع الغربيّين عدم قيام الزعماء في الدعوة » حتّى أنّ الإسلام امتهن بداءَين عضالين « امتهن بإهمال زعمائه سبيل الدعوة والإرشاد . . . إنّ رجال هذا الدين لمّا أهملوا الدعوة . . وتركوا نفوس المسلمين على سذاجتها ، وألقوا حبلها على غاربها . . هنالك استيقظ العدوّ فرأى فرصة أمكنت وأمراً حان وقته وأينعت ثماره » ( ص 21 20 ) . أجل فما ألمّ بالمسلمين لم يكن إلّا كأثر « لعدم قيام المصلحين وسكوت الآمرين بالمعروف والناهين ، ولو قلت ما الذي أوجب سكوتهم وإغضاءهم عن تمزيق دينهم بترقيع دنياهم فلا هذا ولا ذاك ، لقلت : حسبك في فمي ماء وهل ينطق من في فِيه ماء ! » ( ص 17 ) . وسيأتي مزيد إيضاح لفكر كاشف الغطاء في موضع لاحق إن شاء الله .