السيد كمال الحيدري

148

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

لم يُخفِ هؤلاء الباحثون وغيرهم ممّن تصدّى للموضوع الإشارة إلى أنّ الجانب الأكبر من التعقيد والغموض الذي اكتسبته المسألة يعود إلى الالتباس الناشئ عن تصوّر التعارض بين الحرية والإيمان بالقضاء والقدر . من هذا المنطلق قدّم الطباطبائي صياغة للمرتكز العلمي الذي تصدر منه إشكالية التعارض ، ممهِّداً لذلك بإشارة إلى عراقة المسألة وتشابك الآراء من حولها ، حيث قال : « ليُعلم أنّ من أقدم المباحث التي وقعت في الإسلام مورداً للنقض والإبرام وتشاغبت فيه الأنظار ، مسألة الكلام ومسألة القضاء والقدر ، إذ صوّروا معنى القضاء والقدر واستنتجوا نتيجته ، فإذا هي أنّ الإرادة الإلهية الأزلية تعلّقت بكلّ شئ من العالم ، فلا شئ من العالم موجوداً على وصف الإمكان ، بل إن كان موجوداً فبالضرورة ، لتعلّق الإرادة بها واستحالة تخلّف مراده تعالى عن إرادته ، وإن كان معدوماً فبالامتناع لعدم تعلّق الإرادة بها وإلّا لكانت موجودة . وإذا اطردت هذه القاعدة في الموجودات وقع الإشكال في الأفعال الاختيارية الصادرة منّا ، فإنّا نرى في بادئ النظر أنّ نسبة هذه الأفعال وجوداً وعدماً إلينا متساوية ، وإنّما يتعيّن واحد من الجانبين بتعلّق الإرادة به بعد اختيار ذلك الجانب ( من قبل الإنسان ) . فأفعالنا اختيارية والإرادة مؤثّرةٌ في تحقّقه سببٌ في إيجاده ، ولكن فرض تعلّق الإرادة الإلهية الأزلية المستحيلة التخلّف بالفعل يُبطل اختيارية الفعل أوّلًا ، وتأثير إرادتنا في وجود الفعل ثانياً » « 1 » . لقد واجه الفكر الإسلامي هذه الإشكالية بحلول ومعالجات تنوّعت بتنوّع المنطلقات المعرفية والمنهجية ، وتوزّع فيها المسلمون إلى اتجاهات وفرق ، ومع أنّ الجميع سعى لأن يقدّم لقراءته بأدلّة مستمدّة من القرآن والسنّة ، إلّا أنّ ذلك لم يمنع اختلاف أقوال العلماء ونظراتهم بين المتكلِّمين والفلاسفة والعرفاء ، مضافاً إلى التنوّع المعرفى داخل الإطار المنهجي الواحد . فالمتكلِّمون

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 98 97 .