السيد كمال الحيدري
142
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
بحيث لن يكون بمقدوره أن ينفكّ عن مصيره المقرّر له سلفاً ، على ما يُوحى به عدد كبير من النصوص القرآنية والروائية ، كما في قوله سبحانه : قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا « 1 » ، وفى العلوىّ الشريف : « فوالله ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن وادٍ إلّا بقضاء من الله وقدر » . والإشكالية التي تقدّم نفسها في هذا الإطار هي أنّ هناك ضرباً من التعارض بين الإيمان بعقيدة القضاء والقدر وما تُمليه من تعلّق الإرادة الإلهية الأزلية وهى التي يستحيل تخلّفها بالفعل ، وبين اختيارية الفعل وتأثير الإرادة الإنسانية في وجوده كما دلّت عليه نظرية الأمر بين الأمرين . بل ثَمّ ما يتخطّى تخوم الالتباس أو الإشكالية الجزئية إلى إشكالية عامّة لا ترى في عقيدة القضاء والقدر إلّا الجبر المطلق ، بحيث تحوّل القضاء والقدر إلى هاجس مقلق ومقولة مرعبة ، بحسب ما ينتهى إليه مرتضى مطهرى في تحليله الاجتماعي للمسألة ، حيث يقول : « السرّ الذي جعل كلمة القضاء والقدر وأمثالها مرعبة ، هو صيرورتها مرادفة للجبر وعدم الحريّة » « 2 » . وعلى ما يوضّحه باحث آخر بقوله : « يتضمّن الجبر عدّة عقائد في مقدّمتها القضاء والقدر . . . وقد ارتبطت العقيدة الأمّ وهى الجبر برأس عقائده وهو الإيمان بالقضاء والقدر حتّى أصبحت العقيدتان الأصلية والفرعية متلازمتين . فالقول بالجبر هو إثبات للقضاء والقدر ، وإثبات القضاء والقدر هو قول بالجبر » « 3 » وسيتبيّن خطل هذا الرأي لاحقاً وخطأه الفاضح . على أنّ التشابك بين القضاء والقدر والتصادم بين هذه العقيدة وحرّية الإنسان في تقرير المصير وإرادته الخاصّة في إيجاد فعله ، هذا التشابك لم ينشأ في العصور
--> ( 1 ) التوبة : 51 . ( 2 ) الإنسان والقضاء والقدر ، مرتضى مطهرى ، مصدر سابق ، ص 59 . ( 3 ) من العقيدة إلى الثورة ، د . حسن حنفي ، طبعة دار التنوير المركز الثقافي العربي ، بيروت ، 1988 ، ج 3 ( الإنسان المتعيَّن ) ، ص 80 .