السيد كمال الحيدري
139
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
للمسلمين ودفع الأمّة إلى التخبّط وساهم في ضياعها وتخلّفها . وبتهاوى الاثنين انفتح الطريق أمام رؤية جديدة هي تلك التي تعبّر عن نفسها بمقولة الأمر بين الأمرين . ليست مقولة الأمر بين الأمرين تلفيقاً ساذجاً بين الجبر والتفويض . كلّا ؛ ذلك أنّ الجبر والتفويض ليسا نقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان ، ولا ضدّين لا ثالث لهما ، بحيث تنبغى الصيرورة داخل أحدهما بالضرورة ، بل بينهما منزلة ثالثة هي أوسع ممّا بين السماء والأرض ، كما في الحديث الشريف تنشد الإطاحة بذلك الاستقطاب الوهمىّ وتفتح عقل الإنسان المسلم على آفاق رحيبة . من هذا المنظور ، قدّم أئمّة أهل البيت تفسيراً للفعل الإنسانى حافظ على العدل والسلطنة معاً ، فلم يضحِّ بالعدل من أجل إثبات السلطنة والملك والمشيئة ، ولا فرّط بالسلطنة والمشيئة لأجل إثبات العدل . 11 بالإضافة إلى التغطية النقلية المكثّفة التي التزم بها البحث في جميع فقراته ، حيث جاءت النصوص الحديثيّة الكريمة وافية بالغرض ؛ بالإضافة إلى ذلك سعى إلى تقديم عدد من المداخل النظرية ربّما كان أبرزها هو التمييز بين التحليل الكلامي والفلسفي لمقولة الجبر والاختيار ، حيث كان المنطلق في البحث الكلامي تمركزه حول فاعل الفعل الإنسانى ، في حين لم يلبث التحليل الفلسفي عند فاعل الفعل ، بل تخطّى ذلك لتحديد الموقف من قضية الاختيار . فسواء كان الفعل صادراً عن الله أو عن الإنسان أو عنهما معاً ، أفتراه يصدر اختياراً أم بلا اختيار ؟ في ضوء هذا التمييز ذهب عدد من الرموز في طليعتهم السيّد الصدر من المعاصرين ، إلى عدم كفاية البحث الكلامي لحسم النزاع في مسألة الجبر والاختيار ، وأنّ من الضروري أن يتمّ الانتقال إلى البحث الفلسفي لاستكمال الرؤية وإتمام صياغتها .