السيد كمال الحيدري

131

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

غيره ، وإنّما هو واحد موحّد فكيف يوحّد من زعم أنّه يوحِّده بغيره . إنّما عرف الله من عرفه بالله ، فمن لم يعرفه به فليس يعرفه ، إنّما يعرف غيره » « 1 » . غاية ما ينتهى إليه الكلام في المعرفة النفسية أنّها أتمّ من المعرفة الآفاقية وأنفع ، وجوهر ما يراد من هذه المعرفة أن تنصرف النفس الإنسانية عن كلّ شئ وتتّجه إلى ربّها ، حتّى إذا ما ساقها التوفيق إلى ذلك عن طريق السلوك العملي ، فلن يحجبها عن الله حجاب ، ولن تستتر عليه بستر ، وهذا هو حقّ المعرفة الذي يمكن للإنسان أن يبلغه . عودة لنصّ الشيرازي بعد هذا الاستطراد الذي نرجو أن يكون فيه ما ينفع نعود إلى السياق . فقد تركنا صدر الدين الشيرازي وهو يحثّنا للعودة إلى كتاب النفس الإنسانية بعد أن استعرض المذاهب الأربعة في الأفعال الإنسانية ، لنجد في تدبّرها بغيتنا في التدليل على صحّة المذهب الرابع الذي ينسب الأفعال إلى الله والإنسان معاً على النحو الذي مرّ ، ووفاقاً للتمييز الآنف الذكر بين الاثنين . فتحت عنوان « تمثيل فيه تحصيل » كتب الشيرازي ما نصّه : « فعليك أن تتدبّر في كتاب النفس وتتأمّل في الأفعال الصادرة عن قواها ، حتّى يظهر لك أنّ الأفعال الصادرة عن العباد هي بعينها فعل الحقّ ، لا كما يقوله الجبري ، ولا كما يقوله القدَرى ، ولا أيضاً كما يقول الفلسفي « 2 » ، فانظر إلى أفعال المشاعر والقوى التي للنفس الإنسانية حيث خلقها الله تعالى مثالًا ، ذاتاً وصفةً وفعلًا ، لذاته وصفاته وأفعاله . واتلُ قوله تعالى : وَفِى أَنْفُسِكُمْ أَ فَلَا تُبْصِرُونَ « 3 » ،

--> ( 1 ) التوحيد ، باب صفات الذات وصفات الأفعال ، ص 143 . ( 2 ) أي أنّه فاعل بالتسبيب على ما هو عليه موقف الفلسفة المشائية . ( 3 ) الذاريات : 21 .