السيد كمال الحيدري
13
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
الإنشاء على مثال أبدعه ، والتقدير . فالخالق هو المقدّر ، وخلَقه يعنى قدَّره « 1 » . هذا ما جرى عليه القرآن في استعماله ، فمعنى قوله تعالى : فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ « 2 » أحسن المقدّرين ، وقوله : أَنِّى أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ « 3 » يريد به تقديره لا أنّه يُحدث معدوماً . وهذا ممّا التقت عليه اللغة والتفسير . لكن ثَمَّ في القرآن استعمال آخر للخلق يراد منه إيجاد الشئ بعد أن لم يكن موجوداً على غير مثال سبق . وهذا ما توافقت عليه اللغة والتفسير أيضاً . ففي « تاج العروس » : « والخالق في صفاته تعالى وعزّ : المبدع للشئ ، المخترع على غير مثال سبق . وقال الأزهري : هو الذي أوجد الأشياء جميعها بعد أن لم تكن موجودة » « 4 » . ومثله في « لسان العرب » لابن منظور المتوفى سنة 711 ه . يستبين ممّا مرَّ أنّ أصل الخلق في اللغة هو التقدير ، ومعناه في الاصطلاح وفى الاستعمال الديني هو إيجاد الشئ وابتداعه على غير مثال سابق . وهذا المعنى هو ما تنمّ عنه النصوص القرآنية والروائية أيضاً ، وقد أيّده البحث التفسيري كذلك . فمن القرآن قوله سبحانه : هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى « 5 » . وفى الرواية ما جاء من خطبة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، إذ قال حين استنهض الناس وحشدهم لحرب معاوية : « الحمد لله الواحد الأحد الصمد المتفرّد الذي لا من شئ كان ، ولا من شئ خلق ما كان . . . ابتدع ما خلق بلا مثال سبق . . . وكلّ صانع شئ
--> ( 1 ) لسان العرب ، ج 4 ص 193 ؛ تاج العروس ، الزبيدي ، مصر 1306 ه ، ج 25 ص 251 . ( 2 ) سورة المؤمنون : 14 . ( 3 ) آل عمران : 49 . ( 4 ) تاج العروس ، مصدر سابق ، ج 25 ، ص 251 . ( 5 ) الحشر : 24 .