السيد كمال الحيدري
128
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
أمّا في الحديث الشريف فهناك كثرة مستفيضة من النصوص الدالّة على منهج المعرفة النفسية وعلاقته بمعرفة الله فيما يفضى إليه من معرفة حقّة ، هي بين المعرفتين أنفعهما . من ذلك النبوي المشهور عند الفريقين : « من عرف نفسه عرف ربّه » أو « فقد عرف ربّه » . وفى « الغرر والدرر » روى الآمدي من كلمات الإمام أمير المؤمنين القصار عشرين حديثاً ونيّفاً في معرفة النفس ، منها قوله عليه السلام : « أعظم الحكمة معرفة الإنسان نفسه » ، وقوله : « غاية المعرفة أن يعرف المرء نفسه » ، وقوله : « من عرف نفسه عرف ربّه » وقوله : « عجبت لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربّه ؟ » ، وقوله : « معرفة النفس أنفع المعارف » ، وقوله : « المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين » « 1 » . تستند المعرفة الآفاقية التي تنطلق من التعاطي مع الواقع الخارجي ، إلى النظر الفكري ، ومن ثمّ فهي حركة فكرية ترشد إلى تأليف الأقيسة واستعمال البرهان للتحقّق من صحّة النتائج التي تبلغها ؛ لذلك فهي بحاجة إلى انتباه دائم وتركيز مستمرّ على مقدّماتها ، كما أنّها عرضة للشبهات والاختلاف والزوال لأنّها علم حصولي . وفوق ذلك للمعرفة الفكرية مدىً محدّد ليس بمقدورها أن تتخطّاه ، ولا تترتّب عليها بالضرورة آثار تربوية إصلاحية وتغييرية . فما أكثر من يعلم علماً دينيّاً وسلوكُه لا ينمّ عن الاستقامة والصلاح . أمّا المعرفة الأنفسية التي تتّجه حركتها نحو الداخل فهي تتّسع لتشمل جميع بنى الإنسان لأنّها في نفسها ليست من السنخ الذي يحتاج إلى تأليف الأقيسة وصفّ المقدّمات وممارسة الجهد البرهاني ، بل يكفى فيها إحساس الإنسان بذاته وأنيّته ، هذا الإحساس الذي لا يخلو منه إنسان على وجه البسيطة
--> ( 1 ) توفّر السيّد الطباطبائي على رصد عدد وافر من هذه الأحاديث في موضعين من بحوثه ، هما : رسالة الولاية ، طبعة مؤسسة البعثة ، طهران ، 1981 ، ص 39 38 ، والميزان ، ج 6 ، ص 174 173 نقلهما عن : الدرر والغرر للآمدى .