السيد كمال الحيدري

126

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

نسبة حقيقيّة . بعد هذه المقدّمة نعود إلى الشيرازي الذي يقول بعد أن كان قدّم نظريته لفهم الأمر بين الأمرين : « معرفة النفس وقواها أشدّ معين على فهم هذا المطلب . فإنّ فعل الحواسّ والقوى الحيوانية والطبيعية كلّها فعل النفس ، كما هو التحقيق ، مع أنّها فعل تلك القوى أيضاً بالحقيقة لا بمعنى الشركة بين الفاعلين في فعل واحد ، كما يوجد في أفعال الفاعلين الصناعيين أنّه قد يقع الشركة بين اثنين منهم في فعل واحد كالخياطة ونحوه » « 1 » . يريد النصّ بقوله : « لا بمعنى الشركة بين الفاعلين في فعل واحد » أن ينفى التصوّر الذي قد يظنّ أنّ نصف الفعل للنفس ونصفه للقوّة التي تبصر أو تسمع وما إلى ذلك . على الغرار ذاته عندما نذكر نظرية الأمر بين الأمرين في تحديد الموقف من الفعل الإنسانى ، فلا ينبغي أن يتبادر إلى الذهن خطأً بأنّ ذلك يكون على نحو الشركة بين الله والإنسان بحيث يسند نصف الفعل لله ونصفه الآخر للعبد ، كلّا بل كلّه لله وكلّه للإنسان ، لكن مع حفظ الجهة بين الوجود الغنى والوجود الفقير ، أو الوجود الأسمى القائم بذاته والمعنى الحرفي القائم بغيره . لقد أطلق الشيرازي على هذه النظرية في تفسير الأمر بين الأمرين وصف المذهب الرابع ، بعد أن مرّ على مذهب الأشاعرة ، ثمّ المعتزلة ، ثمّ مذهب المشهور بين الإمامية ، وقد قال في وصفه : « لا شبهة في أنّ المذهب الرابع عظيم الجدوى شديد المنزلة ، لو تيسّر الوصول إليه لأحد ينال الغبطة الكبرى والشرف الأتمّ ، وبه يندفع جميع الشبه الواردة على خلق الأعمال ، وبه يتحقّق معنى ما ورد من كلام إمام الموحِّدين عليه السلام : لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين ، إذ ليس المراد منه أنّ في فعل العبد تركيباً من الجبر والتفويض » « 2 » .

--> ( 1 ) الحكمة المتعالية ، مصدر سابق ، ج 6 ، ص 375 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 375 .