السيد كمال الحيدري

116

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

الفعل الاختياري عن اختيار فاعله المختار ، فلا يقع إلّا اختياراً ، ولا يريد الفعل في نفسه ومن غير وسطه حتى يبطل به اختيار فاعله وتسقط إرادته » « 1 » . على هذا الأساس تصحّ النسبتان معاً ، حيث يسند الفعل إلى الإنسان باعتبار أنّه فاعل مباشر ، كما يسند إلى الله سبحانه باعتبار أنّه فاعل تسبيبىّ وفاعل الفاعل ، من غير أن تُبطل إحدى النسبتين الأخرى . لا يعنينا مناقشة هذه القراءة والأساس النظري الذي تقوم عليه في توصيف الأمر بين الأمرين لا سيما وأنّها غير متدافعة مع التي ستليها « 2 » ، وإن كان هناك افتراق في الأساس النظري بينهما . لكن من الحرىّ أن نعرف أنّ الإذعان إلى هذا التصوير لنظرية الأمر بين الأمرين يقوم على أساس الإيمان بالمرتكزات التي قدّمتها الحكمة المشائية لمسألة الوجود الإمكانى . فهناك افتراق بين المدرستين المشائية والحكمة المتعالية بشأن الوجود . فالذي ذهبت إليه الفلسفة المشائية أنّ الوجود الإمكانى وجود في نفسه وإن كان قائماً بغيره ، وهو الله سبحانه ، وذلك على خلاف ما ذهبت إليه الحكمة المتعالية من أنّ الوجود الإمكانى وجود في غيره ، ولا يعدو أن يكون معنىً تعلّقياً ، أي وجوداً قائماً في غيره . إذن فهذا التفسير لنظرية الأمر بين الأمرين ينسجم مع أصول الفلسفة المشائية ومرتكزاتها بالأخصّ في مسألة الوجود الإمكانى وطبيعة الفهم الذي تقدّمه على هذا الصعيد . أمّا من يؤمن بأصول فلسفة الحكمة المتعالية ومرتكزاتها فلا يسعه إلّا أن يتخطّى هذا التفسير إلى تفسير آخر ، هو الذي تعكسه القراءة الثانية . هناك ملاحظة تستحقّ الذكر فيما يتعلّق بطبيعة التفسير الذي يتبنّاه كلّ من

--> ( 1 ) الحكمة المتعالية ، مصدر سابق ، ج 6 ، هامش رقم ( 2 ) للسيّد الطباطبائي ، ص 372 . ( 2 ) هذا ما ذهب إليه الطباطبائي في تقويم القراءتين . ينظر : المصدر السابق ، هامش ص 372 .