السيد كمال الحيدري

90

الإنسان بين الجبر والتفويض

الحسّية المستقاة بعناية من الواقع الخارجي ومن مسار الحياة الإنسانية . ذكروا مثال البناء وأنّه بحاجة إلى البنّاء في حدوثه ، وإذا وجد البناء ثمّ مات البنّاء فإنّ ذلك لا يؤثّر على وجود البناء شيئاً . هكذا في علاقة المؤلِّف مع الكتاب ، فالكتاب يحتاج إلى المؤلِّف حدوثاً ، أمّا بعد وجوده خارجاً فلا يضرّه غياب المؤلّف وموته . على هذا المنوال ساق المعتزلة حشداً كبيراً من الأمثلة استدلّوا من خلالها على حاجة المعلول إلى العلّة في حدوثه لا في بقائه ، حتّى صرّح بعضهم أنّ العالم والوجود إنّما يحتاج إلى العلّة الموجدة - الله سبحانه - حدوثاً لا بقاءً ، بنحو إذا فرض أنّه يجوز على واجب الوجود العدم ، لما ضرّ عدمه وجود هذا العالم شيئاً ، باعتبار أنّ العالم إنّما احتاج إلى الواجب سبحانه في حدوثه ، أمّا بعد حدوثه فهو مستغنٍ عن علّته الموجدة بقاءً ، وعندئذ فإنّ عدمه لا يؤثّر على وجود المعلول خارجاً . هذا المنحى الاعتزالي أشار إليه ابن سينا ونبّه إلى ما ينطوي عليه من وهم ، فكتب في « الإشارات والتنبيهات » ما نصّه : « وقد يقولون : إنّه إذا أوجِد ، فقد زالت الحاجة إلى الفاعل ، حتّى أنّه لو فُقد الفاعل جاز أن يبقى المفعول موجوداً ، كما يشاهدونه من فقدان البنّاء وقوام البناء ، وحتّى أنّ كثيراً منهم لا يتحاشى أن يقول : لو جاز على الباري تعالى العدم لما ضرّ عدمه وجود العالم ؛ لأنّ العالم عنده إنّما يحتاج إلى الباري تعالى في آن أوجده ، أي أخرجه من العدم إلى الوجود ، حتّى كان بذلك فاعلًا . فإذ قد فُعِل وحصل له الوجود عن العدم ، فكيف يخرج بعد