السيد كمال الحيدري
55
الإنسان بين الجبر والتفويض
كتاب « القضاء والقدر » بوصفه يعرض صورة متقدّمة لطبيعة هذا الدليل ومحتواه ، استفاد فيها الرازي من جهود من تقدّم عليه . ففي إطار هذه المحاولة ساق الرازي عشرة براهين عقلية سعياً لإثبات أنّ أفعال العباد كلّها بتقدير الله وأنّ العبد غير مستقلّ بالفعل والترك ، تعرّض لها من خلال ثلاثة مداخل هي : 1 . إنّ العبد غير مستقلّ بنفسه في الفعل والترك . 2 . إنّ قدرة العبد غير مؤثِّرة في خروج شيء من العدم إلى الوجود . 3 . إنّ حصول الإيمان والكفر في قلوب العباد لا يمكن أن يكون إلّابتخليق الله سبحانه . لن ندخل في تفاصيل الأدلّة ومحتوياتها لئلّا ننجرّ إلى المناقشة التفصيلية وما يستتبعها من بحث وتحليل ، بل الهدف أن ندرك أنّ الموقف الأشعري من الفعل الإنساني لم يتحرّك في فراغ ، وإنّما له منطلقاته النظرية وأدلّته بغضّ النظر عن سلامة هذه المنطلقات وصحّة تلك الأدلّة . أمّا عن الجانب النقلي ، فقد ساق رموز هذا التيّار حشداً كبيراً من الآيات والنصوص الروائية ومواقف من الصحابة والخلفاء ، استندوا إليها في صياغة الدليل النقلي على دعواهم . على سبيل المثال لو تفحّصنا تفسير الرازي « مفاتيح الغيب » لرأيناه مملوءاً بهذا النمط من الاستدلال ، فهو لا يكاد يعثر على آية يُشمّ منها رائحة نسبة الفعل إلى الله وسلب الفعل عن الإنسان إلّا اتّخذها مناسبة للاستدلال على دعواه والردّ على مقالة المعتزلة بحكم الاستقطاب القائم بين الاتّجاهين الأشعري والاعتزالي .