السيد كمال الحيدري

40

الإنسان بين الجبر والتفويض

بعد هذه الجولة نستعيد مجدّداً التعريف الذي سقناه بدءاً للتوحيد الأفعالي ، لكي تتّضح هذه المرّة أبعاده بشكل واف . جاء في التعريف : « التوحيد الأفعالي : والمراد به هو المعرفة بأنّ كلّ ما يقع في العالم من العلل والمعلولات ، والأسباب والمسبّبات ، والنظامات العادية وما فوقها ، يقع بإرادته في حدوثه وبقائه وتأثيره ، فكلّ شيء قائم به ، وهو القيّوم المطلق ، ولا حول ولا قوّة ولا تأثير إلّا به وبإذنه » « 1 » . هكذا تنتهي الحصيلة في التوحيد بين مدلولي الطائفة الأولى من الآيات التي نسبت خلق كلّ شيء إلى الله ، والطائفة الثانية التي نسبت التأثير لغير الله سبحانه ، إلى أنّ الأوّل مؤثّر بنحو الاستقلال وأنّ الثاني مؤثّر بنحو القيام بالغير . وبتعبير القرآن : إنّ هذا الفعل إنّما يصدر من الفاعل الطبيعي بإذن الله . والمراد بالإذن هو الإذن التكويني لا التشريعي ، لأنّ الإرادة حاكمة هنا وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( التكوير : 29 ) . هذا هو مقتضى التوحيد في الخالقية على مستوى الفواعل الطبيعيّة . على أنّ هذا الاتّجاه النظري سيكتسب إيضاحات تفصيلية مكثّفة أثناء استعراض أهمّ الرؤى في الفواعل الاختيارية ، خاصّة حال عرض نظرية الشيعة الإماميّة في الأمر بين الأمرين . فمع أنّ هذه النظرية جاءت

--> ( 1 ) بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية ، محاضرات السيّد محسن الخرّازي في شرح عقائد الإماميّة للشيخ محمد رضا المظفر ، طبعة قم ، 1990 : ج 1 ، ص 55 .