السيد كمال الحيدري
36
الإنسان بين الجبر والتفويض
كذلك يمكن الاستئناس بقوله سبحانه : كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاء وَهؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( الإسراء : 20 ) إذ فيه إشارة إلى أنّ الأشياء تستفيض وجودها منه سبحانه في أوّل حدوثها وفي حال بقائها وحياتها « فلا يزال الشيء موجوداً ما يفيض عليه الوجود ، وإذا انقطع عنه الفيض انمحى رسمه عن لوح الوجود » « 1 » . من الآيات التي تتحرّك في اتّجاه معارض للنظرية قوله سبحانه : اللهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ الْقَيُّومُ ( البقرة : 255 ) . فالقيّوم هو القائم بذاته ، المقوّم لغيره . ولو كانت الأشياء تحتاج إليه سبحانه حدوثاً فقط ، فسيكون سبحانه قائماً بذاته مقوّماً لغيره حدوثاً لا بقاءً ، وهذا خلاف ظاهر الآية التي تدلّ على أنّه عزّ وجلّ قائم ومقوّم دائماً وأبداً ؛ بقرينة قوله تعالى : لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ، وإلّا لو أخذته سِنة أو نوم واعتزل الوجود بعد الحدوث كما تدّعيه هذه النظرية ، فسيتعارض ذلك مع الآية ومع معنى القيوميّة . مهما يكن فإنّ هذه النظرية تتعارض مع الأدلّة العقلية التي يمكن الاطّلاع على تفاصيلها في البحوث الاختصاصية ، كما تتعارض أيضاً مع الوجهة القرآنية . بذلك كلّه تبقى الإشكالية النظرية والمنهجية للمسألة قائمة وهي تتطلّب اجتهاداً فكريّاً جديداً يخرج عن دائرة الاستقطاب الأشعري - المعتزلي من دون أن ينزلق إلى الإشكالية ذاتها بوجهيها .
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 7 ، ص 300 .