السيد كمال الحيدري
34
الإنسان بين الجبر والتفويض
وهذا معنى ما نذكره من أنّ الأشاعرة والمعتزلة يصدران من إشكالية نظرية ومنهجية واحدة ، بيدَ أنّهما يختلفان في الاختيار . بعد أن يشير الطباطبائي إلى أصحاب هذه النظرية يلخّص رؤيتها باللغة العلمية كما يلي : « وهذا بحسب اللسان العلمي هو أنّ الوجود الممكن إنّما يحتاج إلى الواجب في حدوثه لا في بقائه . وهو الذي يصرّ عليه جمٌّ غفير من أهل الكلام حتّى صرّح بعضهم أنّه لو جاز العدم على الواجب لم يضرّ عدمه وجود العالم ، تعالى الله وتقدّس » « 1 » . يشبّه هؤلاء وضع العالم في علاقته مع الله سبحانه بوضع البناء في حاجته إلى البنّاء ، والكتاب في حاجته إلى المؤلِّف . فالبناء لا يحتاج إلى البنّاء بعد الانتهاء ، كما لا يحتاج الكتاب إلى المؤلِّف بعد تأليفه ، بل هما باقيان على حالهما سواء أَبَقي البنّاء والمؤلّف أم غابا ، والله سبحانه خلق العالم وزوّده بمجموعة من القوانين والأنظمة ، ثمّ اعتزله . وبذلك صرّح بعض المتكلِّمين من متبنّي هذه النظرية : أنّه لو جاز على الواجب العدم لما ضرّ عدمه وجود العالم ، لأنّه يحتاج إليه حدوثاً لا بقاءً ! بتبنّي هؤلاء لنظرية الأسباب والمسبّبات ، وأنّ السبب هو الفاعل المستقلّ في إيجاد المسبَّب ، ضيّقوا من قوله سبحانه : اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء ( الزمر : 62 ) وأنزلوه من ظاهر عمومه من دون مخصّص .
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 7 ، ص 299 .