السيد كمال الحيدري

31

الإنسان بين الجبر والتفويض

ونسبنا الأثر لا إلى الله ، وإنما نسبناها إلى النار ذاتها ، فلا معنى عندئذ أن نقول إنّ الله هو الموجِد . للتخلّص من هذه المشكلة ونفي التعارض الذي تصوّروه بين إثبات فاعليّة الله وإثبات فاعليّة وأثر ما عداه ، عمد أولئك إلى إبطال السببيّة ونفي تأثير ما سوى الله مطلقاً . هذا المنطق صحيح لو فرضنا أنّ علّية الله وتأثيره سبحانه في إيجاد الحرارة يقع في عرْض إيجاد النار للحرارة ، أمّا إذا قيل بطولية التأثير فستزول المشكلة ؛ لأنّ التأثير ليس في عرْض واحد ليتنافى . إنّ فك الالتباس في هذه المسألة - في ضوء التمييز بين العلل الطولية والعرْضية - يفسح المجال عريضاً لصياغة تصوّر في توحيد الخالقية لا تتنافى فيه مدلولات طائفتي الآيات التي تنسب التأثير إلى الله وحده ، وتلك التي تنسبه لفواعل أخرى . إلى هذا الالتباس يشير النصّ التالي : « وهؤلاء إنّما وقعوا فيما وقعوا ، من جهة خلطهم بين العلل الطولية والعرْضية ، وإنّما يستحيل توارد العلّتين على شيء إذا كانتا في عرْض واحد لا إذا كانت إحداهما في طول الأخرى . مثال ذلك : أنّ العلّة التامّة لوجود النار كما توجب وجود النار كذلك توجب وجود الحرارة ، ولا يجتمع مع ذلك في الحرارة إيجابان ولا تعمل فيها علّتان تامّتان مستقلّتان بل علّة معلولة لعلّة » « 1 » .

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 7 ، ص 298 .