السيد كمال الحيدري
29
الإنسان بين الجبر والتفويض
الآخرين للالتزام بما التزموا به من أفكار ونظريات . في ظلّ هذا المنهج نتساءل : ما هي البواعث التي دفعت الأشاعرة للجوء إلى إنكار علاقة السببيّة والتمسّك بهذا الموقف ، خاصّة مع الإذعان إلى أنّ هذه المسألة لا يمكن أن تكون قد نشبت بدافع الجهل ؛ إذ كيف يسوغ ذلك والأشعرية أنتجت عقولًا كان وما يزال لها تأثيرها الملحوظ في واقع المسلمين ، مثل أبي الحسن الأشعري « 1 » والغزالي والفخر الرازي « 2 » ؟
--> ( 1 ) أبو الحسن عليّ بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري ، وُلد بالبصرة عام 260 ه - وقيل 270 ه - وتوفّي ببغداد سنة 330 أو 324 ه - . درس على شيخ المعتزلة أبي علي الجبائي مدّة ثمّ تحوّل عن مذهب الاعتزال وأعلن براءته منه أمام الناس في المسجد . اختطّ لنفسه طريقاً في العقائد ومنهجاً تبعه فيه كثير من العلماء ، صار يُطلَق عليهم الأشاعرة أو الأشعرية ، واشتهر أنّه إمام أهل السنّة في العقائد . ( 2 ) محمّد بن عمر القرشي التيمي المشهور بالفخر الرازي والمعروف بإمام المشكّكين ، وُلد عام 543 أو 544 ه - وتوفي عام 606 ه - . يحدّث عن نفسه بقوله : « فاعلموا أنّي كنت رجلًا محبّاً للعلم ، فكنت أكتب في كلّ شيء لا أقف على كمّيته وكيفيّته » . وفي وصف قراءاته المكثّفة ، قال القفطي : « وقرأ علوم الأوائل وأجادها » . أمّا الصفدي فقد كتب عنه في « الوافي بالوفيات » بأنّه : « اجتمع له خمسة أشياء ما جمعها الله لغيره فيما علمت من أمثاله ، وهي : سعة العبارة في القدرة على الكلام ، وصحّة الذهن ، والاطّلاع الذي ما عليه مزيد ، والحافظة المستوعبة ، والذاكرة التي تعينه على ما يريد في تقرير الأدلّة والبراهين ، وكانت فيه قوّة جدلية ونظر دقيق » . ترك آثاراً كثيرة في المنطق والكلام والفلسفة والتفسير والسيرة والعقائد بمفهومها العامّ ، أهّلته لمكانة مرموقة في حركة الفكر الإسلامي ، وإن كان لم يسلم من القدح والذمّ ، كما فعله ابن كثير الذي أخذ عليه صحبته للسلطان ، والحافظ الذهبي الذي عرّض به لعدم عنايته بالحديث ، وابن تيمية الذي اتّهمه بأنّه جامع لأقاويل الناس ، وصدر الدين الشيرازي الذي ذمّ منهجه .