السيد كمال الحيدري
24
الإنسان بين الجبر والتفويض
ثمّ نصّ آخر يشهد لهذا المنحى نأخذه هذه المرّة من قطب آخر من كبار أقطاب المدرسة الأشعرية ومن أبرز منظِّريها هو الفخر الرازي ( ت : 606 ه - ) حيث يقول في نفي السببيّة وإبدالها بنظرية العادة والتكرار : « إذا حرّكنا جسماً ، فعند المعتزلة حركة يدنا أوجبت حركة ذلك الجسم ، وهو عندنا باطل » لأنّه لا ملازمة بين السبب والمسبَّب . ثمّ يذكر أنّه قد ردَّ على المعتزلة إيمانهم بالسببيّة قبل ذلك ، ليضيف بعدئذ : « والزيادة هاهنا أنّ الله تعالى لمّا أجرى عادته بخلق هذه الآثار في المباين عقيب حصول هذه الأفعال في المباشر ، فلِمَ لا يكفي هذا القدر في حسن الخطاب ؟ » « 1 » أي : لِمَ لا تصير نظرية العادة بديلًا عن نظرية السببيّة التي تؤمن بترتّب الأثر لزوماً على المؤثِّر ؟ المناقشة لا شكّ أنّ هذا الاتّجاه يعنى بتنظير هذا المعنى والاستدلال على صحّته عقليّاً من خلال مساعي رموزه ومصادره التأسيسيّة ، بيدَ أنّ الكتاب غير معنيّ باستعراض ذلك تفصيليّاً ، وإنّما تكفي عدّة مناقشات ، هي : 1 . تترتّب على هذا النمط من التفكير لوازم خطيرة على الفكر الديني نفسه بدءاً من مرتكزاته في التوحيد وانتهاءً إلى تفصيلاته ، بل يمكن القول إنّ تعطيل السببيّة يتساوق مع تقويض منظومة الفكر الإسلامي عقيدةً وفروعاً ، لأنّ السببيّة هي محور التفكير العقلي . فمع
--> ( 1 ) تلخيص المحصّل المعروف بنقد المحصل ، إعداد : عبد الله نوراني ، طهران 1980 : ص 335 .