السيد كمال الحيدري

22

الإنسان بين الجبر والتفويض

على هذا تكون نسبة النار إلى الحرارة والبرودة ، والماء إلى العطش والإرواء على حدٍّ سواء ، فليس هناك علاقة سببية ورابطة ضرورية قائمة بين الاثنين ، بل هي عادة الله سبحانه التي قضت أن توجد الحرارة عقب النار ، وأن يتمّ الإرواء بعد شرب الماء ، وهكذا . لقد حرصت العقيدة الأشعرية هذه على تنزيه الله في توحيد الخالقية عبر نفي التأثير عن أيّ فاعل آخر ، إذ لا معنى أن ينضمّ هذا الفاعل إلى الوجود ويكون له تأثير مع فاعلية الله سبحانه . إلى هذه النظرية أشار السيّد الطباطبائي ( ت : 1403 ه - ) أثناء استعراضه ما نشب من تيّارات فكرية حيال المسألة ، حيث عبّر عن قناعة أصحاب هذا الاتّجاه ومنطقهم ، بالصيغة التالية : « إنّ القرآن الكريم إذ ينسب خلق كلّ شيء إليه تعالى ويحصر العلّة الفاعلة فيه ، كان لازمه إبطال رابطة العلّية والمعلوليّة بين الأشياء ، فلا مؤثّر في الوجود إلّا الله ، وإنّما هي عادته تعالى جرت أن يخلق ما نسمّيه معلولًا عقيب ما نسمّيه علّة من غير أن تكون بينهما رابطة توجب وجود المعلول منهما عقيب العلّة ، فالنار التي تستعقب الحرارة نسبتها إلى الحرارة والبرودة على السواء ، والحرارة نسبتها إلى النار والثلج على السواء ، غير أنّ عادة الله جرت أن يخلق الحرارة عقيب النار ، والبرودة بعد الثلج ، من غير أن يكون هناك إيجاب واقتضاء بوجه أصلًا ، وهذا النظر يبطل قانون العلّية والمعلوليّة العامّ » « 1 » .

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 7 ، ص 298 .