السيد كمال الحيدري
168
الإنسان بين الجبر والتفويض
واستعمال البرهان للتحقّق من صحّة النتائج التي تبلغها ؛ لذلك فهي بحاجة إلى انتباه دائم وتركيز مستمرّ على مقدّماتها ، كما أنّها عرضة للشبهات والاختلاف والزوال لأنّها علم حصولي . وفوق ذلك للمعرفة الفكرية مدىً محدّد ليس بمقدورها أن تتخطّاه ، ولا تترتّب عليها بالضرورة آثار تربوية إصلاحية وتغييرية . فما أكثر من يعلم علماً دينيّاً وسلوكُه لا ينمّ عن الاستقامة والصلاح . أمّا المعرفة الأنفسية التي تتّجه حركتها نحو الداخل فهي تتّسع لتشمل جميع بني الإنسان لأنّها في نفسها ليست من السنخ الذي يحتاج إلى تأليف الأقيسة وصفّ المقدّمات وممارسة الجهد البرهاني ، بل يكفي فيها إحساس الإنسان بذاته وأنيّته ، هذا الإحساس الذي لا يخلو منه إنسان على وجه البسيطة بغضّ النظر عن المستوى العلمي والوضع المدني والحضاري . أجل ، قد لا ينمّي الإنسان هذا النمط من المعرفة أو يلهو عن التفكير في حقيقة نفسه ، بيدَ أنّه مهما اندكّ بهموم الحياة فلا يخلو من ومضات تشعّ على هذا الطريق . لهذا يلمس المتقصّي لأشواط التأريخ الإنساني أنّ الإنسانية مذ كانت كان طريق معرفة النفس بمجاهدتها وقطعها عمّا يصرفها عن الانشغال ، وستبقى هذه السيرة ماضية أبد الدهر وإلى آخر يوم من حياة الإنسان على الأرض . ولمّا كانت المعرفة النفسية محفوفة بمشاقّ التهذيب والتزكية ، فقد انصرف أكثر الناس عنها على الرغم من الرصيد الثرّ الذي تتمتّع به في ذات كلّ إنسان ، وأضحت خياراً للقلّة .