السيد كمال الحيدري
151
الإنسان بين الجبر والتفويض
وجود الجوهر . فقدرته على غاية الكمال ، يفيض الوجود على الممكنات على ترتيب ونظام وبحسب قابلياتها المتفاوتة بحسب الإمكانات ، فبعضها صادرة عنه بلا سبب ، وبعضها بسبب واحد أو أسباب كثيرة ، فلا يدخل مثل ذلك في الوجود إلّا بعد سبق أمور هي أسباب وجوده وهو مسبِّب الأسباب من غير سبب ( أي فاعل بعيد ) . وليس ذلك لنقصان في القدرة بل النقصان في القابلية ، وكيف يتوهّم النقصان والاحتياج مع أنّ السبب المتوسّط أيضاً صادر عنه ، فالله سبحانه غير محتاج في إيجاد شيء من الأشياء إلى أحد غيره . وقالوا : لا ريب في وجود موجود على أكمل وجه في الخير والجود ، ولا في أنّ صدور الموجودات عنه يجب أن يكون على أبلغ النظام . فالصادر عنه إمّا خير محض كالملائكة ومن ضاهاها ، وإمّا أن يكون الخير فيه غالباً على الشرّ كغيرهم من الجنّ والإنس . فيكون الخيرات داخلة في قدرة الله بالأصالة ، والشرور اللازمة للخيرات داخلة فيها بالتبع . ومن هنا قيل : إنّ الله يريد الكفر والمعاصي الصادرة عن العباد لكن لا يرضى بها ، على قياس من لسعت الحيّة إصبعه وكانت سلامته موقوفة على قطع إصبعه ، فإنّه يختار قطعها بإرادته لكن بتبعية إرادة السلامة ، ولولاها لم يرد القطع أصلًا ، فيقال هو يريد السلامة ويرضى بها ويريد القطع ولا يرضى به إشارة إلى الفرق الدقيق . وأنت تعلم أنّ هذا المذهب أحسن من الأوّلين وأسلم من الآفات ، وأصحّ عند ذوي البصائر النافذة في حقائق المعارف ، فإنّه متوسّط بين