السيد كمال الحيدري
144
الإنسان بين الجبر والتفويض
الثاني : ما يصدر منه باختياره واستقلاله من دون حاجة إلى غيره أصلًا ، كما إذا افترضنا أنّ المولى أعطى سيفاً قاطعاً بيد شخص حرّ قد ملك تنفيذ إرادته وتحريك يده ، فعندئذ إذا صدر منه قتل في الخارج فهو يستند إليه دون المعطي ، وإن كان المعطي يعلم أنّ إعطاءه السيف ينتهي به إلى القتل ، كما أنّه يستطيع أن يأخذ منه السيف متى شاء ، بيدَ أنّ ذلك لا يصحّح استناد الفعل إليه ، لأنّ الاستناد يدور مدار دخل شخص في وجوده خارجاً ، والمفروض أنّه لا مؤثّر في وجوده ما عدا تحريك يده وقد كان مستقلًّا فيه . هذا واقع نظرية التفويض وحقيقتها . الثالث : ما يصدر منه باختياره واستعمال قدرته رغم أنّه فقير بذاته بحاجة في كلّ آن إلى غيره ، بحيث لو انقطع منه مدد الغير في آنٍ انقطع الفعل فيه حتماً ، وذلك كما لو افترضنا أنّ للمولى عبداً مشلولًا غير قادر على الحركة فربط المولى بجسمه تيّاراً كهربائياً ليبعث في عضلاته قوّة ونشاطاً نحو العمل ، وليصبح بذلك قادراً على تحريكها ، وأخذ المولى رأس التيّار الكهربائي بيده ، وهو الساعي لإيصال القوّة في كلّ آن إلى جسم عبده بحيث لو رفع اليد في آن عن السلك الكهربائي انقطعت القوّة عن جسمه وذهب باختياره وقتل شخصاً ، والمولى يعلم بما فعله ، ففي مثل ذلك يستند الفعل إلى كلّ منهما . أمّا العبد فحيث إنّه صار متمكِّناً من إيجاد الفعل وعدمه بعد أن أوصل المولى القوّة إليه وأوجد القدرة في عضلاته وهو قد فعل باختياره وإعمال قدرته ، وأمّا إلى المولى فحيث إنّه كان معطي القوّة والقدرة له حتّى حال الفعل والاشتغال