السيد كمال الحيدري

134

الإنسان بين الجبر والتفويض

كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ ( البقرة : 249 ) ، وقوله : فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْن‌ِاللهِ ( البقرة : 251 ) ، وقوله : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ( يونس : 100 ) . بقي أن نعرف أنّ « الإذن » الذي تتحدّث عنه الآيات هو الإذن التكويني المرتبط بنظام الوجود وليس الإذن التشريعي . ومن خصائص الإذن التكويني أنّه لا يتخلّف بعكس الإذن التشريعي . مثال ذلك علاقة النفس الإنسانية بالجوارح ، إذ ليس بمقدور الجارحة - كالعين مثلًا - أن تتخلّف عمّا تأمر به النفس حين تأمر العين بالإبصار ، ولا بمقدور الأذن أن لا تسمع ، وهكذا . في الإذن التشريعي هناك حرية في الامتثال وعدمه ، أمّا في التكويني فلا مناص من الامتثال بحكم الطبيعة الوجودية . وما تتحدّث عنه الآيات هو الإذن التكويني الذي لا تخلّف عنه البتّة . 2 . المستوى الروائي تواجهنا على المستوى الروائي الدالّ على نظرية الأمر بين الأمرين دعوى تفيد أنّ الروايات في هذا المجال متواترة معنىً ومن ثمّ فهي قطعية من حيث السند « 1 » . حين يكون الأمر كذلك لا تحتاج هذه الروايات

--> ( 1 ) جاء في « محاضرات في أصول الفقه » للشيخ محمّد إسحاق الفيّاض تقريراً لأبحاث السيّد الخوئي - بعد استعراض عدد من تلك الروايات - ما نصّه : « فهذه الروايات المتواترة معنىً وإجمالًا ، الواضحة الدلالة على بطلان نظريتي الجبر والتفويض من ناحية ، وعلى إثبات نظرية الأمر بين الأمرين من ناحية أُخرى ، بوحدها كافية لإثبات المطلوب فضلًا عمّا سلف من إقامة البرهان العقلي على بطلان كلتا النظريتين . وعلى هذا الأساس فكلّما يكون بظاهره مخالفاً لتلك الروايات فلابدّ من طرحه بملاك أنّه مخالف للسنّة القطعية وللدليل العلمي العقلي » المصدر ، هامش ص 86 .