السيد كمال الحيدري
105
الإنسان بين الجبر والتفويض
لا يدع مجالًا للشك في انضواء الأفعال الإنسانية تحتها ، من دون أن يعني ذلك جبراً كما توهّمت المجبرة ، التي تعثّرت بها خطاها - والمفوّضة - في الرسو على مركب نظريّ يجمع بانسجام ودونما تعارض بين الإرادة والمشيئة والسلطنة الإلهية المطلقة وبين نفي الجبر والتفويض معاً . فالمشكلة تكمن - دون ريب - في عجز هذه الاتّجاهات التي ابتعدت عن منابع المعرفة الصافية في الرسوّ على الصياغة المنسجمة ، فعهدت بالأمر إلى نفسها ، وكانت النتيجة هذا التخبّط الأعمى بين الجبر والتفويض . هذا المعنى المتوازن للجمع بين البُعدين ، يصوّره الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على أوضح وجه في حديثه إلى عباية بن ربعي الأسدي عندما سأله عن الاستطاعة في الحديث المشهور ، فعلّمه الإمام عليه السلام : « تقول : إنّك تملكها بالله الذي يملكها من دونك ، فإن ملّككها إيّاك كان ذلك من عطائه ، وإن سلبكها كان ذلك من بلائه ، هو المالك لماملّكك ، والقادر لما عليه أقدرك » « 1 » . فالاختيار الإنساني لا ينبغي أن يوهم الإنسان بالانقطاع عن المالك الحقيقي ومصدر القدرة المطلقة وصاحب الإرادة والمشيئة غير المتناهيتين . فإذا قدر الإنسان على شيء ، لا تخرجه هذه القدرة عن قدرة الله ، وإذا ملك شيئاً ، لا يخرجه ذلك عن ملك الله ، بل كلّ شيء يجري بمشيئة الله وإرادته وقدرته وتحت سلطانه وملكه . يدلّ على ذلك قوله سبحانه : وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ( البقرة :
--> ( 1 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 5 ، ص 24 ، ح 30 .