إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي
432
الغارات
وشراف ( 1 ) والقطقطانة ( 2 ) فما والى ذلك الصقع ، فوجهت إليه جندا كثيفا من المسلمين ( 3 ) فلما بلغه ذلك فر هاربا فلحقوه ببعض الطريق وقد أمعن ، وكان ذلك حين طفلت الشمس للإياب ، فتناوشوا القتال قليلا كلا ولا ، فلم يصبر لوقع المشرفية وولى هاربا ، وقتل من أصحابه تسعة عشر رجلا ونجا جريضا بعد ما أخذ منه بالمخنق [ ولم يبق منه غير الرمق ] فلأيا بلأي ما نجا .
--> 1 - في مراصد الاطلاع : ( شراف بفتح أوله وآخره فاء وئانيه مخفف [ مبني على الكسر ] ما بين واقصة والفرعاء فيها ثلاثة آبار كبار ، وقلب كثيرة طيبة ) وفي القاموس : ( شراف كقطام موضع أو ماءة لبني أسد أو جبل عال أو يصرف ككتاب ممنوعا ) وقال الزبيدي في شرح العبارة ضمن ما قال : ( الموضع المشار إليه بين واقصة وفرعاء وبناؤه على الكسر هو قول الأصمعي ، وأجراه غيره مجرى ما لا ينصرف من الأسماء ) . 2 - قد تقدم تفسيرها ( أنظر ص 422 ) . 3 - قال الرضي ( ره ) في باب المختار من الكتب من نهج البلاغة ( أنظر ج 4 من شرح النهج لابن أبي الحديد ، ص 55 - 56 ) : ( ومن كتاب له عليه السلام إلى أخيه عقيل بن أبي طالب في ذكر جيش أنفذه إلى بعض الأعداء وهو جواب كتاب كتبه إليه عقيل : فسرحت إليه جيشا كثيفا من المسلمين ( فذكر مختارا من الكتاب بتقديم وتأخير واختلاف في بعض الفقرات وزيادة في بعض الموارد فنورده هنا بعبارته وهو : ) فلما بلغه ذلك شمر هاربا ونكص نادما ، فلحقوه ببعض الطريق وقد طفلت الشمس للإياب فاقتتلوا شيئا كلا ولا ، فما كان إلا كموقف ساعة حتى نجا جريضا بعد ما أخذ منه بالمخنق ولم يبق منه غير الرمق فلايأ بلأي مانجا ، فدع عنك قريشا وتركاضهم في الضلال وتجوالهم في الشقاق وجماحهم في التيه فإنهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله قبلي ، فجزت قريشا عني الجوازي ، فقد قطعوا رحمي ، وسلبوني سلطان ابن أمي ، وأما ما سألت عنه من رأيي في القتال فإن رأيي قتال المحلين حتى ألقى الله ، لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة ، ولا تفرقهم عني وحشة ، ولا تحسبن ابن أبيك ولو أسلمه الناس متضرعا متخشعا ، ولا مقرا للضيم واهنا ، ولا سلس الزمام للقائد ، ولا وطيئ الظهر للراكب المقتعد ، ولكنه كما قال أخو بني سليم : فإن تسأليني ( إلى آخر البيتين ) ) . وقال العلامة المجلسي ( ره ) في ثامن البحار في باب ما جرى من الفتن ( ص 673 ) بعد نقل كتاب عقيل إلى أمير المؤمنين ( ع ) ونقل جواب أمير المؤمنين ( ع ) إليه ما نصه : ( أقول : روى السيد - رضي الله عنه - في النهج بعض هذا الكتاب هكذا : فسرحت إليه جيشا ( فبعد أن نقل ما اختاره السيد ( ره ) إلى آخر البيتين قال ) : بيان - قوله : فقع بقرقر لعله خبر أن ، وقوله ما الضحاك ، معترضة ، وقال الجوهري : الفقع ضرب من الكمأة وكذلك الفقع بالكسر ، ويشبه به الرجل الذليل ، فيقال : هو فقع قرقر ، لأن الدواب تنجله بأرجلها قال النابغة يهجو النعمان بن المنذر : حدثوني بني الشقيقة ما يمنع فقعا بقرقر أن يزولا وقال : القرقر القاع الأملس والفواق بالفتح والضم ما بين الحلبتين من الوقت ، والتركاض والتجوال بفتح التاء فيهما مبالغتان في الركض والجولان والركض تحريك الرجل ، وركضت الفرس برجلي حثثته ليعدو ثم كثر حتى قيل : ركض الفرس إذا عدا ، والواو فيهما يشبه أن يكون بمعنى مع ، ويحتمل العاطفة ، واستعار لفظ الجماح باعتبار كثرة خلافهم للحق وحركاتهم في تيه الجهل والخروج عن طريق العدل ، من قولهم : جمح الفرس إذا اعتز راكبه وغلبه ، ويحتمل أن يكون من جمح بمعنى أسرع كما ذكره الجوهري ، وقوله ( ع ) : فجزت قريشا عني الجوازي ، جمع جازية أي جزت قريشا عني بما صنعت كل خصلة من نكبة أو شدة أو مصيبة أي جعل الله هذه الدواهي كلها جزاء قريش بما صنعت . وقال ابن أبي الحديد : سلطان ابن أمي ، يعني به الخلافة ، وابن أمه رسول - الله صلى الله عليه وآله لأنهما ابنا فاطمة بنت عمرو بن عمران بن مخزوم أم عبد الله وأبي طالب ، ولم يقل : سلطان ابن أبي ، لأن غير أبي طالب من الأعمام يشركه في النسبة إلى عبد المطلب ، وقال الراوندي : يعني نفسه لأنه ابن أم نفسه ، ولا يخفى ما فيه ، وقيل : لأن فاطمة بنت أسد كانت تربي رسول الله ( ص ) حين كفله أبو طالب فهي كالأم له ، ويحتمل أن يكون - المراد : سلطان أخي ، مجازا ومبالغة في تأكد الأخوة التي جرت بينه وبين النبي ( ص ) وإشارة إلى حديث المنزلة وقوله تعالى حكاية عن هارون : يا ابن أم إن القوم استضعفوني ، وقد مر بعض ما يؤيد هذا الوجه ، وواقصة موضع بطريق الكوفة واسم مواضع أخرى ، وشراف كقطام موضع ، أو ماء لبني أسد ، أو جبل عال ، وكغراب ماء ، والقطاقط والقطقط والقطقطانة بضمها موضع الآصرة [ كذا ] بالكوفة كانت سجن النعمان بن المنذر ، فما والى ذلك أي قاربه ، ويقال : أمعن الفرس أي تباعد في عدوه ، وقال الجوهري : تطفيل الشمس ميلها للغروب والطفل بالتحريك بعد العصر إذا طفلت الشمس للغروب ، والإياب الرجوع أي الرجوع إلى ما كانت عليه في الليلة التي قبلها وقال الجوهري : آبت الشمس لغة في غابت ، وتفسير الراوندي بالزوال بعيد وقال الجوهري : المناوشة في القتال وذلك إذا تدانى الفريقان ، والتناوش التناول ، قوله ( ع ) : شيئا كلا ولا قال ابن أبي الحديد : أي شيئا قليلا كلا شئ ، وموضع كلا ولا نصب لأنه صفة شيئا وهي كلمة يقال لما يستقصر جدا ، والمعروف عند أهل اللغة كلا وذا قال ابن هانئ المغربي : وأسرع في العين من لحظة * وأقصر في السمع من لا وذا وفي شعر الكميت كلا وذا ، وقد رويت في نهج البلاغة كذلك إلا أن في أكثر النسخ كلا ولا ، ومن الناس من يرويها : كلا ولات ، وهي حرف أجرى مجرى ليس ولا يجيئ إلا مع حين إلا أن يحذف في شعر ومن الرواة من يرويها : كلا ولأي ، ولأي فعل معناه أبطأ ، وقال ابن ميثم : قوله : كلا ولا ، تشبيه بالقليل السريع الفناء وذلك لأن لا ولا لفظان قصيران قليلان في المسموع واستشهد بقول ابن هانئ . أقول : ويحتمل أن يكون المعنى شيئا كلا شئ وليس بلا شئ أو يكون العطف للتأكيد ، والموقف هنا مصدر ، والمشرفية بالفتح سيوف نسبت إلى مشارف ، وهي قرى من أرض العرب ، وفي النهاية : الجرض بالتحريك أن تبلغ الروح الحلق والإنسان جريض وفي الصحاح : الجرض بالتحريك الريق يغص به يقال : جرض بريقه يجرض مثال كبر يكبر وهو أن يبتلع ريقه على هم وحزن بالجهد ، والجريض الغصة ومات فلان جريضا أي مغموما ، وقال : خنقه وأخنقه وخنقه وموضعه من العنق مخنق يقال : بلغ منه المخنق وأخذت بمخنقه وخناقه أي حلقه وقال ابن ميثم : لايا مصدر والعامل محذوف وما مصدرية في موضع الفاعل والتقدير فلايا لايا نجاؤه أي عسر وأبطأ وقوله : بلاي كلايا لايا أي مقرونا بلاي أي شدة بعد شدة وقال الكيدري : ما زائدة وتقدير الكلام فنجا لايا أي صاحب لأي أي في حال كونه صاحب جهد ومشقة متلبسة بمثلها أي نجا في حال تضاعف الشدائد وقال الراوندي : نصب لايا على الظرف ، وتفيد ما الزائدة في الكلام إبهاما أي بعد شدة وإبطاء نجا ، وقوله ( ع ) : قتال المحلين أي البغاة ، قال الجوهري : أحل أي خرج إلى الحل أو من ميثاق كان عليه ومنه قول زهير : وكم بالقنان من محل ومحرم وقال : أسلمه أي خذله ، قوله ( ع ) : ولا مقرا للضيم ، أي راضيا بالظلم صابرا عليه ، والسلس السهل اللين المنقاد ، ولا وطيئ الظهر أي متهيئا للركوب ، ومقتعد البعير راكبه ، والصليب الشديد ) . أقول : في شرح ابن ميثم ( ره ) ما يقرب مما في هذا البيان .