السيد محمد تقي المدرسي
46
ليلة القدر معراج الصالحين
فعلى الواحد منّا إن هو ارتكب ظلماً أو إثماً أن لا ييأس من روح الله فيحسب نفسه من أهل النار وأنّه لا مفرّ له منها ، وأنّ الله لن يتوب عليه ، بل على العكس من ذلك فإنّ الله يحبّ العبد حين يلح عليه بالتوبة ، فلابدّ أن تحلّ ساعة خشوع وخضوع وانكسار ورقة في القلب متناهية فيسيل على أثرها الدمع مختلطاً بنغم النحيب الذي تغرفه أوتار القلب النادم الذليل المنكسر الخاشع التائب فتطفئ ألسنة النيران في وديان السعير : " ولأصرخنّ إليك صراخ المستصرخين ، ولأبكينّ عليك بكاء الفاقدين ، ولأنادينك أين كنت يا وليّ المؤمنين ، يا غاية آمال العارفين ، يا غياث المستغيثين " . « 1 » قصّة طريفة في هذا المجال ولا بأس هنا أن أذكر واقعة حدثت لي أثناء الحج ؛ إذ كان في سفرنا الكثير من الناس الذين كانوا على تباين كبير في تقواهم وإيمانهم ، ومن بينهم كان هناك رجل جاء حاجاً وهو لا يفكّر في هذه الفريضة ، ولا يستشعر في وجدانه أحاسيسها ومشاعرها ، فكان يهتم بما يشبع بطنه وما يجعله يؤمّن نوماً ريحاً ، وماذا سيشتري من الهدايا ، وكأنه جاء لتحقيق هذه الأغراض المادّية فحسب ، فكنت أنصحه وأنبّهه بقدسيّة الحج وقدسيّة مناسكه وأماكنه كعرفات ومنى والمشعر وما إلى ذلك ، فكان لا يصغي لي ولا يهتم بتذكيري حتى بلغت مناسك الحج الطواف ، فقد انتهى الطواف وكان قلبه ما يزال قاسياً لا يلين ، أي أنّه كان يطوف ويردّد التلبية ولكنّه منصرف في فكره عن ذلك كلّه فلا يشعر بحلاوة الطواف ولذّته .
--> ( 1 ) مفاتيح الجنان ، ص 65 ، دعاء كميل بن زياد .