السيد محمد تقي المدرسي

42

ليلة القدر معراج الصالحين

أمّا بالنسبة إلى سورة الدخان ؛ فإن سرّها واضح ، لأنها نزلت في ليلة القدر متحدّثة عنها وعن فضلها ، ولذلك فإن تلاوتها في هذه الليلة جاءت مناسبة ، وأما فيما يتعلّق بسورة العنكبوت ؛ فإنها على ما يبدو توحي بأن مثل هذه الدنيا كمثل بيت العنكبوت ؛ بحضاراتها ودولها وإمكانياتها وقدراتها ، فهي لا قيمة لها ، ولا هدف يرجى منها في حدّ ذاتها بل إنّ الآخرة هي الهدف وهي الرجاء ، وعلى العكس من ذلك فإن الدنيا واهنة زائلة : وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ( العنكبوت / 41 ) . مفتاح التقرّب إلى الله فمادام القلب متعلّقاً بهذه الدنيا ولم يخرج حبها منه ، فإنه لا يستطع التقرّب إلى الله ، فلا مناص إذن أن نطرد حبّ الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة من قلوبنا ، ونجتثّه من أنفسنا ، فلا نعيش على طول المنى والآمال للحصول على المتاع والترف المادّي ، ثم ما قيمة اللذّة إن كان انقضاؤها في دقائق أو ساعات ؟ ترى ما الذي تبقى لأولئك الذين انساقوا وراء الملذات ومتع الدنيا وزخارفها ، فكم عمّروا وبنوا ومشوا واشتروا ، وكم ربحوا ونالوا ، ولكن أين هم وأين هي دنياهم ؟ لقد تركوها جميعاً ثمّ رحلوا إلى الدار الآخرة يحملون أوزارها بما لم يشكروا ربّهم على نعمائه ، وبما لم يعطوا حقوق الغير من حقوق الله كما يقول تعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لَانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَاكُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ( التوبة / 34 - 35 ) .