السيد محمد تقي المدرسي

82

في رحاب الايمان

إبراهيم كان من عباده المؤمنين ، وكأنه تعالى يريد ان يفهمنا من خلال هذه الواقعة حقيقة الايمان من خلال بيان مثله وانموذجه . ان هذا الأنموذج يتمثل في شخص واحد تحدى مجتمعا فاسدا بأجمعه ، فمن الصعب عليك ان تخالف انسانا واحدا في فكرة وخصوصا إذا كان بينك وبينه احترام متبادل كأن يكون المربي والكافل لك وكنت تعيش في بيته ومن نعمته وفضله ، كما كان الحال بالنسبة إلى إبراهيم ( عليه السلام ) مع أبيه ( آزر ) الذي كان في الحقيقة عمه بالنسب ، وأباه بالتبني . لقد خالف إبراهيم ( عليه السلام ) المجتمع كله ، وبحث عن طريقة لصرفهم عن نفسه ، والتحايل عليهم من خلال العمل السري كما يروي لنا ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى : فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ( الصافات / 8988 ) وذلك من خلال تظاهره بالمرض ، وربما أراد إبراهيم ( عليه السلام ) ان يقول لهم انه مريض حسب ترهاتهم ، وما يدعونه من العلم بالنجوم ، فالمقصود من السقم هنا هو الجهل ، فحسب نظرتهم فان إبراهيم لم يكن سقيما في ذلك الوقت ، ولكنه سيصبح كذلك ، ولذلك فقد اذعنوا لكلامه . ومع كل ذلك فقد خرج إبراهيم في يوم العيد متوكلا على الله تعالى ، ثم اخذ بيده المعول وكسر الأصنام ، ثم استهزأ منهم بان وضع المعول على رأس كبير الأصنام وسؤاله إياهم : اسألوهم ان كانوا ينطقون ، فتحداهم بالاستهزاء ، ومقاومة كل جبروتهم ، وكأنه كان يعمل مسندا بجيش جبار في حين انه كان فتى لم يتجاوز سن الحلم الا بقليل .