السيد محمد تقي المدرسي

148

المجتمع الإسلامي (منطلقاته وأهدافه)

يرى الذل مع الحق أقرب إلى عز الأبد مع العز في الباطل ، ويعلم أن قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفذ ، وأن كثيرما يلحقه من سرائها إن اتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له ولا يزول ، فذلكم الرجل نعم الرجل فبه فتمسكوا ، وبسنته فاقتدوا ، والى ربكم به فتوسلوا فإنه لا ترد له دعوة ) « 1 » . بعد ما يحدد الإمام مقاييس ثابتة لتقييم الرجال ويحدد مواصفات القائد ، آنئذ يقول لك : تمسّك بذلك الرجل الذي لا يريد أن يعز نفسه مع الباطل ولكنه يتمسك بالحق ولو أدى ذلك إلى ذلته عند الناس . فالعز في الدنيا محدود حتى لو دام سبعين عاما ، إذ ماذا بعد ذلك إذا كان صاحب ذلك العز سيحترق بنار جهنم يوم القيامة ؟ فماذا ينفعه لو كان ملايين البشر يمدحونه ويعظمونه ؟ ! لقد كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مثالًا صادقاً لهذه الصفات التي يحددها لنا الإمام عليه السلام . يقول الإمام علي عليه السلام وهو يصف أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : ( لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فما أرى أحداً يُشبههم منكم ، لقد كانوا يُصبحون شُعثا غبراً ، وقد باتوا سجّداً وقياماً ، يُراوحون بين جباههم وخدودهم ، ويقفون على مثل الجمر من ذِكر معادهم ، كأن بين أعينهم رُكَبَ المعزى من طول سجودهم ، إذا ذُكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم ، ومادُوا كما يَميد الشجر يوم الريح العاصف ، خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب ) « 2 » . أوليس هؤلاء هم الذين يجب أن نتمثل هداهم ونقتدي بسيرتهم ونختار قياداتنا وفق مواصفاتهم . إن هؤلاء لم يكونوا أنبياء ، وإنما كانوا أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، إقتبسوا من نور الرسالة شعلة أوقدت في قلوبهم محبة الله وخوف القيامة ، وأثارت في نفوسهم تلك الفطرة السليمة التي أودعها الله في كل انسان ، ونحن باستطاعتنا أن نكون مثلهم . وعنه عليه السلام في حديث آخر يقول وهو يتأوه شوقا إلى أولئك الذين كانوا على عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فاستشهدوا أو ماتوا ، وتركوه وحيداً : ( أين القوم الذين دُعوا إلى الإسلام فَقبلوه ، وقرءوا القُرآن فأحكموه ، وهِيجوا إلى

--> ( 1 ) - بحار الأنوار ، ج 71 ، ص 185 . ( 2 ) - نهج البلاغة ، الخطبة رقم 97 .