السيد محمد تقي المدرسي

12

المجتمع الإسلامي (منطلقاته وأهدافه)

وإذا نظرت إلى خريطة العالم ، لوجدت ان المسلمين وبعد قرن ونصف من البعثة النبوية ، طرقوا غربا أبواب أوربا عن طريق شمال إفريقيا ، وعبروا شرقا نهر السين ، واقتحموا الشرق الأقصى في آسيا . وقد استطاعوا ان يذوبوا كل المجتمعات والحضارات التي كانت موجودة في هذه البقعة الشاسعة من الأرض ، ويصبغوها بالصبغة الاسلامية ، ويخلقوا منها الأمة الاسلامية الكبيرة ، وهذا هو المجتمع الحي . ومثل اخر في المجتمع الأوربي ، فاوروبا بالنسبة إلى العالم صغيرة المساحة ، وفقيرة من ناحية الامكانات الطبيعية ، ولكن هذا المجتمع حيوي استطاع ان ينشر حضارته وفكره في العالم كله ويوجهه باتجاهه الخاص . فترى مثلا ان الف مليون شخص صيني وهندي ومئات الملايين من الناس من إفريقيا وأمريكا اللاتينية وأستراليا ، كان يوجههم أربعون مليون فقط ، هو سكان جزيرة صغيرة تسمى بريطانيا . ويجب هنا ان ننبه على وجود فارق كبير بين هذين المثالين ، فالمثال الاسلامي كانت صبغته الحق والعدل والتوافق مع السنن الطبيعية والبشرية ، بينما المثال الأوروبي على العكس من ذلك تماماً . ووجه الشبه بينهما هو في الحيوية والفاعلية فقط . واما المثال على المجتمع الميت ، فهو الأمة الاسلامية اليوم ، والتي انقسمت إلى دول انطوت كل واحدة منها على نفسها وتجمدت داخل حدودها ، مما أدى بهذا المجتمع ذي الأمجاد التاريخية العظيمة إلى أن يفقد شخصيته الاسلامية ، ويضعف ويتفسخ من الداخل ، ويصبح نهزة للطامعين ومذقة الشاربين ، وان تتعرض ثرواته وخيراته للنهب ، وكرامته للسحق ، وليصبح اليوم مجتمعا متخلفا يخضع لسيطرة القوى الأجنبية العظمى وتوجهه كيف شاءت ، وتتلاعب بمقدراته انى يحلو لها . وفي القران اية تصف لنا المجتمع الحيوي المؤمن فتقول : " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ، تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضل من الله ورضوانا ، سيماهم في وجوههم من اثر ا لسجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل ، كزرع اخرج شطأه فازره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغلظ بهم الكفار وعد الله الذين امنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة واجراً عظيما " ( 29 / الفتح )