السيد محمد تقي المدرسي
34
القيادة السياسية في المجتمع الإسلامي
( لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فما أرى أحداً يُشبههم منكم ، لقد كانوا يُصبحون شُعثا غبراً ، وقد باتوا سجّداً وقياماً ، يُراوحون بين جباههم وخدودهم ، ويقفون على مثل الجمر من ذِكر معادهم ، كأن بين أعينهم رُكَبَ المعزى من طول سجودهم ، إذا ذُكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم ، ومادُوا كما يَميد الشجر يوم الريح العاصف ، خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب ) « 1 » . أوليس هؤلاء هم الذين يجب أن نتمثل هداهم ونقتدي بسيرتهم ونختار قياداتنا وفق مواصفاتهم . إن هؤلاء لم يكونوا أنبياء ، وإنما كانوا أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، إقتبسوا من نور الرسالة شعلة أوقدت في قلوبهم محبة الله وخوف القيامة ، وأثارت في نفوسهم تلك الفطرة السليمة التي أودعها الله في كل انسان ، ونحن باستطاعتنا أن نكون مثلهم . وعنه عليه السلام في حديث آخر يقول وهو يتأوه شوقا إلى أولئك الذين كانوا على عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فاستشهدوا أو ماتوا ، وتركوه وحيداً : ( أين القوم الذين دُعوا إلى الإسلام فَقبلوه ، وقرءوا القُرآن فأحكموه ، وهِيجوا إلى الجهاد فَوَلِهوا وَلَهَ اللِّقاح - الناقة - إلى أولادها ، وسلبوا السيوف أغمادها ، وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً ، وصفاً صفاً ، بعضٌ هلك وبعضٌ نجا ، لا يُبشرون بالأحياء ، ولا يعزون عن الموتى . مُرْهُ العيون من البكاء ، خُمص البطون من الصيام ، ذبل الشفاه من الدعاء ، صُفْرُ الألوان من السهر ، على وجوههم غَبَرة الخاشعين ، أولئك اخواني الذّاهبون ، فحق لنا أن نظمأ إليهم ونَعضّ الأيدي على فِراقهم ) « 2 » .
--> ( 1 ) - نهج البلاغة ، الخطبة رقم 97 . ( 2 ) - نهج البلاغة ، الخطبة رقم 121 .