السيد محمد تقي المدرسي

63

معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات)

الإسلام ونظرته إلى ما ينبغي أن يكون‌عليها الإنسان ، وأكد القرآن عبر ذلك أن للإيمان شروط ثلاثة : 1 - القول وتلفظ الشهادتين ، كمدخل إلى الإيمان ، في حين أن الأعراب اكتفت - جهلًا - بهذا المقدار . 2 - العقد بالقلب ، وهذا هو أصل الإيمان وجوهره . 3 - العمل ، وأشار إلى ذلك قوله سبحانه : ( لَا يَلِتْكُم مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً ) . فقولٌ بلا قلبٍ ، وقلبٌ بلا عملٍ ، لا يعني شيئاً أبداً ، إذ الكل جزءٌ لا يتجزأ مهما تقلبت الأحوال واختلفت الظروف . . ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) ( الزلزلةِ / 8 - 7 ) ، و ( وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَاسَعَى ) ( النجم / 39 ) ، وكفى بالعمل شعاراً رفعه الإسلام على مدى التاريخ . . العمل الذي يقف خلفه قلب نظيف . وهذه هي الهزة العنيفة والصعقة التوحيدية التي نزل بها الوحي المقدس على قلب الإنسان ليحرك فيه فطرته ، ويبعث‌فيه روح التطور والتحول إلى الأحسن . يقول اللَّه تقدست أسماؤه : ( يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَانثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا . . . ) فاللَّه لم يخلق الناس بجنسيات أو ضمن حدود جغرافية معينة . فالأرض كانت كلها لآدم وحواء عليهما السلام دون‌حدود أو تمايز أو حواجز ، وكان دم الإنسان واحداً وتركيبته واحدة . ثم إن اللَّه سبحانه قسم الناس تقسيماً كانت الحاجةإليه ضرورية لإحراز التكامل الإنساني وبنائه ، فجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا فيما بينهم ويعترفوا بالعوامل المكمّلة لبعضهم البعض . أقول : إن المادة الإنسانية الأولى كانت واحدة ، ولكن التقسيمات جاءت على أساس ضروري وعادل لحكمة أخرى . إن التعارف هو الاعتراف ، فضلًا عن المعرفة والتعرف . فيعترف البعض بحقوق الآخرين ويسلّم بوجودهم ، فلا يسخرقوم من قوم ، ولا يحتقر بعض بعضاً ، حتى يكون الجميع على صعيد واحد ، ينظرون إلى الحياة على أنها ميدان للتكامل‌من جهة ، وللتسابق إلى الكمال والسمو من جهة أخرى . وهذا يعني امتناع الأغنياء عن احتقار الفقراء ، وامتناع الأقوياء عن مصادرة حقوق الضعفاء . .