السيد محمد تقي المدرسي

61

معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات)

التعارف منطلق الحضارة الإيمانية ( يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَانثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّه‌َعَلِيمٌ خَبِيرٌ * قَالَتِ الاعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّه‌َوَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ( الحجرات / 14 - 13 ) لا شك أن الإنسان بحاجة ماسة إلى هزة عنيفة ، أو إلى هزات عنيفة متواصلة لئلا يصاب بداء الخلود إلى الأرض ؛ الأرض ذات الجذب الشديد ، بما فيها من الرغبات الجامحة إلى إبقاء ما كان على ما كان ، واستصحاب التراث ، واستصعاب التغيير والتحول والتطور ، والبقاء على ما هو عليه . . تبعاً إلى أن حقيقة التغيير والتطور بحاجة إلى ثمن‌مناسب ، عادةً ما يبخل المرء في بذله . . ولعل الفرق الأساسي بين الإنسان من جهة ، والحيوانات والنباتات والجمادات من جهة أخرى يكمن في أن ابن آدم ذوقابلية وقدرة على التطور ، بل وذو فطرة تدفعه إلى التحول . . ولكن انجذابه إلى الأرض هو الذي يؤثر فيه ويحاول قمع‌تلك الفطرة النزيهة . ولكن المخلوقات الأخرى المشار إليها مجبولة على الثبات والبقاء والمراوحة في مكانها ؛ فالجماد - كماهو واضح ومعروف - يبقى في مكانه ما شاء اللَّه ، حتى يأتي من يحركه ويزحزحه عن مكانه الذي هو قابع فيه . إن الإنسان السويَّ الأصيل معابٌ عليه أن يبقى على حاله ، لأن رأس ماله الوحيد هو عمره وأيام حياته في الدنيا ، فإذالم يحصل على الفائدة المرجوة - التي لا تتحقق أبداً دون تغيير وتطور - والمغنم الجديد ، سيكون كمن قدّم ما لديه دون