السيد محمد تقي المدرسي
26
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات)
لأنه لا يهتم في الدنيا إلّا بما يرضي شهواته وغرائزه الحيوانية الزائلة . يبقى الفريق الرابع من الناس ، وهو الفريق الذي ينجو من نار جهنم ويضمن سعادة الدارين ، هو ذلك الذي يجعل الدنيامزرعة لآخرته ، وتصبح الآخرة هدف الدنيا بالنسبة له ؛ بل يرى الحياة كلها بأبعادها وجوانبها المختلفة والمتعددة فيمحضر اللَّه سبحانه . . ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ( الانعام / 162 ) . . إنه لا يفرق في كل حركة يقدم عليها بين الدنيا والآخرة ، فهو يتحرك في الدنيا ببواعث الآخرة ، وهذا الفريق من الناس هو الذي يسلك الطريق السليم والقويم الذي يشير إليه سبحانه في سورة ( التين ) ، والتي تصور هذه السورةالمباركة معالم الحضارة الإلهية التي يبعث فيها الإنسان روح التحرك والفاعلية . . ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِسِينِينَ ) إنه سبحانه وتعالى يشير إلى المادة الحيوية والغذائية التي تنفع جسم الإنسان وتغذّيه وتطعمه ليتمكنبسببها من بناء معالم الحضارة الإلهية على الأرض . فالتين فهو من الفواكه الطيبة التي تقضي على كثير من الأمراض ، كداء ( النقرص ) أو يصطلح عليه ب ( داء الملوك ) والذي أصبح اليوم داء شائع بين الناس ، فهوينظم حركة الدم في جسم الإنسان . وكذلك ( الزيتون ) والذي يعتبر غذاءً وإداماً مقوياً لجسم الإنسان ، وإنزيته مفيد للجسم دون إحداث مضاعفات ، فزيت الزيتون لا يضر بكبد الإنسان ، كما تضر الدهونات الأخرى ، فلذاينصح الأطباء المرضى أو المصابين بارتفاع في نسبة ( الكلسترول ) في الدم إلى تناول زيت الزيتون . معالم الحضارة الإلهية إذاً ، فالتين دواء والزيتون غذاء . . ( وَطُورِ سِينِينَ ) أي ذلك الجبل المتوسط الذي انتشرت على روابيه أشجارالزيتون ، لتشكل هذا المنظر الجميل الذي يوحي إلى اعتدال الهواء فيه ، لأن الزيتون لا ينمو إلّا في المناخ المعتدل . . ( وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ ) . .