السيد محمد تقي المدرسي

15

معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات)

والأدهى من ذلك أن ظاهرة أخرى أكثر خطورة تنتشر بينهم ، وهي أنهم يتوارثون بعض أفكارهم المتخلّفة ، ثم يضفون‌عليها القداسة ، كأن يخلطوا الدين بالتراث ، في حين أن الدين يمثل برنامجاً واضحاً ، فكل ما يوصي به يسمى ديناً ، وأماما يطبّقه الإنسان من سيرة السلف والأولين فهو ليس بدين ، بل هو تطبيق ديني لفترة معيّنة من التاريخ . وبناءً على هذافإن علينا أن لا نجمد على سلوكهم ، ونستنبط من هذا السلوك الأحكام الشرعية ، لأن هذا العمل يمثل خلطاً بين الدين‌والتراث . وقد جاءت الكثير من الآيات القرآنية لتحارب هذه الرؤية المتحجّرة ، كقوله تعالى : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيأَخْرَجَ لِعِبَادِهِ ) ( الأعراف / 32 ) ، وقوله : ( أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاًوَلَايَهْتَدُونَ ) ( البقرة / 170 ) . . فلماذا - إذن - نتبع آباءنا ، ونجمد على سلوكهم وسيرتهم والقرآن يقول : ( تِلْكَ امَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) ( البقرة / 141 ) ؟ فتلك‌أمة ونحن أمة ، وذلك جيل ونحن جيل آخر ، ( والناس - كما يقول الإمام عليعليه السلام - بزمانهم أشبه منهم‌بآبائهم ) « 1 » . إننا - للأسف الشديد - لم نأخذ الدين من مصادره الحقيقية المتمثلة في القرآن ، والأحاديث الشريفة ، بل ورثناه وراثة ، في حين أن الإسلام يحرّم علينا التقليد في أصول الدين ، ويأمرنا بتحكيم عقولنا في هذه الأصول ، وأن نحذر من أن نخلطبين الدين والتراث ، ونفسر هذا الدين تفسيراً خاطئاً حسب الهوى لتقسوا قلوبنا بعد ذلك ، ويطول عليها الأمد . وإذا ما عدنا إلى التاريخ ؛ سنجد أن الآية القرآنية عندما كانت تنزل في عهد الرسول‌صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن هذه الآية كانت تفجّر فينفوس المسلمين ينابيع الحنان ، والخوف ، والخشية ، فتحرّك فيهم كل المشاعر الخيّرة ، وتبعث فيهم الحوافز الإيمانية ،

--> ( 1 ) خصائص الأئمة للشريف الرضي ، ص 115 .