السيد محمد تقي المدرسي

80

قيم التقدم في المجتمع الإسلامي

أجل أن يحقق هذا الهدف الرفيع فهو يوصي ويؤكد على ضرورة التسامي على الدنيا وزينتها ، لأن جاذبيتها وضغطها ومن ثم قدرتها على تذويب الإنسان وتمييعه كبيرة جدا . لقد خُلق الإنسان هكذا . . ترابيا . وللتراب سلطانه على أبنائه . فحينما تجوع المعدة ، ويعطش الكبد ، وتثور الشهوة ، ويتألم الجسد ، وتسيطر الرغبة في التفاخر والتكاثر في الأموال والأولاد ، آنئذ ترى أن إرادة الإنسان تقف ضعيفة أمام هذه المؤثرات . فلذلك كان أبناء البشر بحاجة إلى من يعطيهم قدرة التغلب على جاذبية هذه الأمور ، ولم يكونوا بحاجة إلى من يأمرهم بالاهتمام بمتاع الدنيا ، لأنهم إذا تُركوا على طبيعتهم فسوف يفعلون ذلك غريزيا . ومن هنا لا تدل الوصايا الإسلامية على أن موقف الإسلام من أمور الدنيا موقف سلبي ، كما قد يُتبادر إلى الذهن حينما نقرأ الآيات التالية : وَاعْلَمُوا انَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ الأنفال ، 28 الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا الكهف ، 46 زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَآءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَابِ آل عمران ، 14 وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الحشر ، 9 إن هذه الوصايا والمواعظ القرآنية ، والتعاليم الإسلامية الأخرى التي صدرت على لسان النبي صلى الله عليه وآله والأئمة المعصومين عليهم السلام لا تدل أبدا على أن المال والبنين وسائر أقسام زينة الحياة الدنيا مرفوضة ومكروهة عند الإسلام ، وإنما تدل على أن